موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع
ثمة معتقدات تعيش أطول من الظروف التي ولدت فيها. تتغير المدن، تتبدل أنماط العيش، تتسع دائرة التعليم، تتغير المرجعيات، وتظل بعض الرموز حاضرة في الذاكرة الجماعية، تحمل معها آثار أزمنة سابقة، وتعيد الأجيال تفسيرها وفق حاجاتها وأسئلتها.
من هنا يصبح استمرار المعتقد موضوعا يستحق قراءة أعمق. فالسؤال لا يتعلق ببقاء الممارسة في حد ذاته، وإنما بما يحدث لها وهي تعبر الزمن: كيف تتغير دلالتها؟ ما الوظائف التي تؤديها؟ من يعيد إنتاجها؟ وما الذي يجعلها قادرة على الاحتفاظ بمكانها داخل مجتمع يتغير باستمرار؟
الأضرحة والمواسم تقدم نموذجا واضحا لهذه الإشكالية، لأنها تقع عند تقاطع الدين والذاكرة والهوية والعلاقات الاجتماعية والحاجات النفسية والمصالح الاقتصادية.
سوسيولوجيا: المعتقد داخل شبكة العلاقات
ينظر علم الاجتماع إلى المعتقد باعتباره جزءا من النظام الرمزي الذي تنتجه الجماعة وتعيد من خلاله تنظيم علاقتها بذاتها وبالعالم.
وقد جعل إميل دوركايم من الطقوس الجماعية مدخلا لفهم التضامن الاجتماعي، ورأى أن اجتماع الأفراد حول الرموز المشتركة يعيد إنتاج الشعور بالانتماء ويمنح الجماعة وعيا بذاتها. وتبقى هذه الفكرة مفيدة في قراءة المواسم باعتبارها لحظات تستعيد فيها الجماعة بعض روابطها وذاكرتها الاجتماعية.
المعتقد هنا يدخل في عملية التنشئة. ينتقل عبر الأسرة، الحكاية، اللغة والممارسة ويتحول تدريجيا إلى جزء من معرفة الفرد بمحيطه. وقد لا يحتاج الطفل إلى أن يتلقى درسا منظما في المعتقد حتى يستوعبه، يكفي أن ينشأ في بيئة تمنحه حضورا يوميا في الكلام والممارسة والرمز.
وهنا تبرز أهمية مفهوم الهابيتوس لدى بيير بورديو الذي يفسر الطريقة التي تتحول بها الخبرات الاجتماعية المتكررة إلى استعدادات داخلية تؤثر في إدراك الفرد وسلوكه. فالموروث لا يعيش في الذاكرة فقط، وإنما يمكن أن يتحول إلى أنماط في التفكير والممارسة.
وتظهر مع ذلك مسألة أخرى تتعلق بالمكانة والسلطة الرمزية. فالمقدس يمنح أحيانا الأشخاص والأسر والمواقع المرتبطة به قيمة رمزية خاصة. وقد تصبح هذه القيمة جزءا من ترتيب المكانات داخل الجماعة.
ومن هنا تأتي أسئلة تستحق البحث: من يتحدث باسم الموروث؟ من يملك حق تفسيره؟ كيف تنتقل المكانة المرتبطة به؟ وكيف تتغير هذه المكانة عندما تتغير البنية الاجتماعية؟
هذه الأسئلة تضع المعتقد داخل المجال الاجتماعي حيث تتفاعل الرموز مع المكانة والاعتراف والنفوذ.
نفسيا: الإنسان وحاجته إلى المعنى
يأخذ المعتقد معنى آخر عندما ننظر إليه من الزاوية النفسية.
فالإنسان يحتاج إلى تفسير لما يحدث حوله، ويحتاج إلى إطار يساعده على التعامل مع الخوف والفقد والمرض والعجز والانتظار. وفي لحظات عدم اليقين تزداد أهمية المعنى، لأن الإنسان يبحث عن طريقة تمنح تجربته قابلية للفهم والاحتمال.
هنا يمكن أن تؤدي الممارسات الطقوسية وظيفة نفسية. فهي تمنح الفرد شعورا بالفعل في مواجهة وضع يشعر فيه بالعجز، وتساعده على التعبير عن الرجاء والخوف والحاجة إلى الحماية.
وهذا يفسر جانبا من استمرار بعض المعتقدات حتى داخل بيئات تغيرت فيها أنماط التعليم والمعرفة.
فالإنسان الحديث رغم اتساع معرفته العلمية يظل إنسانا يواجه المرض والموت والفقد والمجهول. وتتغير أدواته في التعامل معها وتبقى حاجته إلى المعنى حاضرة.
لكن هذه الحاجة الإنسانية تستدعي وعيا خاصا عندما تتصل بأشخاص يعيشون هشاشة شديدة. فالحاجة إلى الأمل قد تجعل الإنسان أكثر قابلية للتعلق بمن يقدم له تفسيرا جاهزا أو وعدا بالخلاص.
هنا يصبح السؤال النفسي والاجتماعي متصلا بمسألة المسؤولية: كيف نحمي الإنسان في لحظة ضعفه من كل خطاب يستثمر خوفه أو حاجته أو جهله؟
أنثروبولوجيا: حين يصبح المكان ذاكرة
تمنح الأنثروبولوجيا للمكان أهمية خاصة في فهم المعتقد. فالضريح في المخيال المحلي قد يحمل تاريخا وحكايات وأسماء وطقوسا تجعل منه جزءا من هوية الجماعة.
والموسم في هذه الحالة يعيد تشغيل الذاكرة في زمن محدد. تعود الحكايات، يلتقي الناس، تستعيد العائلات صلاتها ويظهر المكان باعتباره جزءا من تاريخ جماعي.
غير أن الذاكرة الثقافية ليست ثابتة. كل جيل يدخل إلى الموروث محمّلا بأسئلته الخاصة.
قد يحتفظ الجيل الجديد بالموسم باعتباره مناسبة اجتماعية أو ذاكرة محلية أو موروثا ثقافيا، بينما يحمل الجيل الأقدم علاقة أكثر التصاقا بالدلالة الدينية للمكان.
وهذا التحول لا يعني اختفاء الموروث، إنه يكشف قدرته على إنتاج معانٍ جديدة.
ومن هنا يمكن فهم استمرار بعض الأضرحة والمواسم باعتبارها جزءا من الذاكرة الثقافية حتى عندما تتغير علاقة بعض الأفراد بالاعتقاد الذي نشأت حوله.
اقتصاديا: حين يصبح الموروث موردا
يحتاج تحليل المواسم أيضا إلى النظر في بعدها الاقتصادي.
فكل تجمع كبير ينتج حركة في السوق والخدمات والنقل والإطعام والحرف والمنتجات المحلية. وفي المناطق القروية خصوصا يمكن للموسم أن يمثل فرصة اقتصادية موسمية تستفيد منها فئات متعددة من السكان.
وهنا تتشكل علاقة معقدة بين الموروث والاقتصاد.
فالمكان الذي يجذب الزوار ينتج حركة اقتصادية، والحركة الاقتصادية تمنح استمرار الموسم قيمة إضافية لدى بعض الفاعلين. ومع الوقت يمكن أن يتحول الموروث إلى مورد ثقافي قابل للتثمين، فتدخل فيه التعاونيات والمنتجات المحلية والأنشطة التجارية والسياحية.
وهنا تبرز قضية اقتصاد المقدس.
فماذا يحدث عندما تصبح للرمزية قيمة اقتصادية؟
ومن يستفيد من هذه القيمة؟
كيف تتوزع العوائد؟
هل تصل التنمية المرتبطة بالموسم إلى السكان المحليين؟
وكيف يؤثر التسويق السياحي والثقافي في الطريقة التي يقدم بها المجتمع موروثه؟
هذه الأسئلة مهمة لأن الاقتصاد يمكن أن يساهم في إعادة تشكيل الموروث نفسه. فقد تظهر أنشطة جديدة حول الموسم، تتغير صورة المكان، تتوسع دائرة المهتمين به وقد تتحول بعض عناصره من ممارسة محلية إلى منتج ثقافي.
المعتقد حين يعبر الزمن
تكشف هذه المستويات أن استمرار المعتقد ظاهرة متعددة الأبعاد. فالمجتمع يعيد إنتاجه عبر التنشئة والعلاقات، والنفس تجد فيه مساحة للمعنى والأمان، والذاكرة تمنحه جذورا في المكان، والاقتصاد قد يصنع حوله مصالح وحركة وموارد.
لهذا فإن السؤال الأهم لا يتعلق ببقاء المعتقد أو اختفائه.
بل السؤال يتعلق بكيفية تحوله.
فماذا يبقى من الممارسة عندما تتغير الأجيال؟
وماذا يحدث للرمز عندما تتغير طريقة فهمه؟
بل كيف ينتقل المكان من المجال الديني إلى المجال الثقافي؟
وكيف تتشكل حوله مصالح جديدة؟
ربما يكون هذا هو المدخل الأكثر نضجا لفهم الظاهرة.
فالمجتمع لا يحمل موروثه بطريقة واحدة، وإنما يعيد قراءته باستمرار. وما يبدو ثابتا في الظاهر قد يحمل في داخله تحولات عميقة في المعنى والوظيفة.
ولهذا فإن دراسة الأضرحة والمواسم لا ينبغي أن تتوقف عند سؤال الإيمان، وإنما تمتد إلى سؤال الإنسان الذي يؤمن، والجماعة التي تحفظ الذاكرة، والمكان الذي يحمل الرمز، والاقتصاد الذي يتحرك حوله.
فحين يسكن المقدس الذاكرة، تصبح دراسة الذاكرة طريقا لفهم المجتمع، وتصبح دراسة المجتمع طريقا لفهم الكيفية التي يتغير بها المقدس نفسه.
قم بكتابة اول تعليق