موند بريس / ذ.عبد الله بوحنش
تثبت البيانات الانتخابية الأخيرة أن المشهد السياسي المغربي يعيش على وقع ثنائية سوسيولوجية حادة بين مجالين مختلفين: عالم حضري يتحكم فيه التصويت الأيديولوجي والسياسي، وعالم قروي تُحركه علاقات القربة والنفوذ المحلي. وتتجلى هذه الثنائية بوضوح عند مقارنة خريطة المقاعد بين حزب الأصالة والمعاصرة من جهة، وحزب العدالة والتنمية من جهة أخرى.
ففي الوقت الذي حصد فيه حزب الأصالة والمعاصرة 97 مقعداً تصدر بها النتائج الإجمالية، تكشف قراءة خريطة هذه المقاعد أن قوته الضاربة ترتكز أساساً في القرى والبوادي؛ حيث نال 63 مقعداً قروياً بنسبة تصل إلى 65% من إجمالي مقاعده، مقابل 34 مقعداً فقط في المدن. وترجع هذه الهيمنة القروية إلى استراتيجية الحزب المعتمدة على استقطاب كبار الملاكين والأعيان والشخصيات ذات النفوذ العائلي والقبلي، في وسط لا يخضع فيه التصويت بالضرورة للبرامج الحزبية بقدر ما يتأثر بالروابط المباشرة وقدرة المرشح على تعبئة الشبكات المحلية.
في المقابل، وبالرغم من حصول حزب العدالة والتنمية على 54 مقعداً واحتلاله المرتبة الرابعة إجمالاً، إلا أنه أحرز المرتبة الأولى في الحواضر والمدن بـ 44 مقعداً متقدما على جميع الاحزاب كالاحرار و الاستقلال و الاتحاد الاشتراكي، وهو ما يمثل 81% من مجموع مقاعده، فيما لم يحصل في القرى إلا على 11 مقعداً. يعكس هذا الاكتظاظ الحضري طبيعة الكتلة الناخبة للحزب التي تتشكل بالأساس من الفئات المتعلمة والمثقفين والطبقة الوسطى بالمدن، حيث يسود التصويت السياسي والأيديولوجي المبني على الموقف والتقييم، بينما يفتقر الحزب للتجذر في البنيات القبيلية والعائلية التي تحكم العالم القروي.
وهنا تسجل البيانات مفارقة سوسيولوجية لافتة في السلوك الانتخابي؛ فبالرغم من أن الطبقة الوسطى بالمدن كانت المتضرر المباشر من القرارات الهيكلية والمؤلمة التي اتخذتها حكومة العدالة والتنمية في ولايتها السابقة(من قبيل إصلاح نظام التقاعد، وإلغاء صندوق المقاصة، وتحرير أسعار المحروقات)، إلا أن هذه الكلفة الاقتصادية لم تُثنِ هذه الفئة عن منح تفوقها الصريح للحزب في الحواضر بـ 44 مقعداً. وتُفسَّر هذه المفارقة بكون السلوك الانتخابي الحضري لا يخضع دائماً للتقييم المعاشي المباشر، بل يتغذى على الرصيد الفكري والتعاطف السياسي ومنطق الرهان على الهوية السياسية للحزب ونزاهته المفترضة مقارنة بخصومه، فضلاً عن وجود أحزاب تقليدية كالتجمع الوطني للأحرار (66 مقعداً: 40 قروي و26 حضري) والاستقلال (65 مقعداً: 36 قروي و29 حضري) والتي تحافظ على توازن هيكلي يتكئ بدوره على الأعيان والامتداد التنظيمي التاريخي.
إن هذه الأرقام تؤكد في النهاية وجود نظامين اقتراعيين بالمغرب: اقتراع أعيان وخدمات يمنح الأغلبية العددية لمن يسيطر على العالم القروي كما أظهرت حالة الأصالة والمعاصرة، واقتراع سياسي وحضري يمنح المشروعية الرمزية داخل الحواضر الكبرى كما أظهرت حالة العدالة والتنمية، ليظل السؤال المطروح: هل تستطيع الأحزاب السياسية مستقبلاً تجسير هذه الفجوة بين ثقافة القرية وخيارات المدينة؟
قم بكتابة اول تعليق