موند بريس / محمد أيت المودن
تزنيت – يطلق حرفيو صياغة الحلي الفضية بمدينة تزنيت، عاصمة الفضة بالمغرب، نداء استغاثة إلى الجهات الوصية، محذرين من أن واحدة من أعرق المهن التقليدية بالمملكة باتت تواجه خطر الاندثار، بسبب تضافر عدة عوامل، في مقدمتها ندرة الفضة الخام وارتفاع أسعارها، وعزوف الشباب عن تعلم الحرفة، وغياب جيل جديد يحمل مشعلها.
وتُعد صناعة الفضة من أبرز المكونات الاقتصادية والثقافية لمدينة تزنيت، التي راكمت على مدى عقود سمعة وطنية ودولية بفضل جودة منتوجاتها وإتقان صناعها التقليديين، غير أن المهنيين يؤكدون أن القطاع يعيش اليوم أزمة غير مسبوقة تهدد استمراريته.
أزمة المادة الخام
ويؤكد عدد من الصناع التقليديين أن الحصول على الفضة الخام أصبح يشكل تحدياً حقيقياً، في ظل محدودية العرض والارتفاع المتواصل للأسعار، الأمر الذي انعكس سلباً على تكلفة الإنتاج، وأصبح يثقل كاهل الورشات الصغيرة التي تجد نفسها عاجزة عن مجاراة متطلبات السوق.
وأوضح عدد من المهنيين أن ارتفاع تكلفة المادة الأولية أدى إلى تراجع الإنتاج، فيما اضطر بعض الحرفيين إلى تقليص نشاطهم أو إغلاق ورشاتهم، بعدما أصبحت المداخيل غير كافية لتغطية تكاليف التشغيل والحفاظ على اليد العاملة.
عزوف الشباب وغياب الخلف
ولا تقف الأزمة عند حدود المادة الخام، بل تمتد إلى غياب الخلف، حيث يشهد القطاع عزوفاً واضحاً من طرف الشباب عن تعلم حرفة صياغة الفضة، رغم قيمتها التاريخية والحضارية.
ويرى الحرفيون أن المهنة تتطلب سنوات طويلة من التكوين والدقة والصبر، في مقابل مردودية مالية لم تعد تشجع الأجيال الجديدة على الالتحاق بها، خاصة في ظل توفر بدائل مهنية أكثر استقراراً وأسرع دخلاً.
وأكد عدد من المهنيين أن الورشات التي كانت تستقبل في الماضي عدداً من المتدربين أصبحت اليوم تفتقر إلى المتعلمين، وهو ما ينذر بانقطاع نقل الخبرة المتوارثة بين الأجيال، وفقدان مهارات دقيقة شكلت هوية الصناعة الفضية بتزنيت.
تراث اقتصادي وثقافي مهدد
ويحذر مهتمون بالشأن الحرفي من أن اندثار هذه المهنة لن ينعكس فقط على الوضع الاجتماعي للحرفيين وأسرهم، بل سيطال أيضاً التراث اللامادي للمدينة، التي ارتبط اسمها بصناعة الحلي الفضية التقليدية ذات الزخارف الأمازيغية الأصيلة، والتي تستقطب الزوار من مختلف مناطق المغرب وخارجه.
كما ينعكس تراجع القطاع على الحركة الاقتصادية والسياحية، باعتبار أن صناعة الفضة تعد من أهم عوامل الجذب داخل المدينة العتيقة، حيث تشكل محلات الصناع التقليديين فضاءً يقصده السياح والمهتمون بالصناعة التقليدية المغربية.
مطالب بإنقاذ القطاع
وفي ظل هذه الإكراهات، يطالب الحرفيون وزارة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، إلى جانب مختلف المؤسسات المعنية، بوضع خطة استعجالية لإنقاذ القطاع، تشمل تسهيل ولوج الصناع إلى الفضة الخام، وتقديم دعم مباشر للورشات الحرفية، وتوفير آليات تمويل ملائمة لطبيعة النشاط.
كما يدعون إلى إطلاق برامج لتكوين الشباب وتحفيزهم على تعلم المهنة، وربط مراكز التكوين المهني بورشات الصناعة التقليدية، مع توفير منح للمتدربين وتشجيع نقل الخبرة بين الحرفيين المخضرمين والجيل الجديد.
وطالب المهنيون أيضاً بتنظيم معارض متخصصة، ودعم تسويق المنتوج المحلي داخل المغرب وخارجه، وحماية المنتوج الأصلي من المنافسة غير المشروعة والمنتجات المقلدة التي تؤثر على مكانة الفضة التزنيتية في الأسواق.
ناقوس خطر
ويجمع حرفيو تزنيت على أن الوقت لم يعد يسمح بمزيد من الانتظار، مؤكدين أن استمرار الوضع على ما هو عليه سيؤدي إلى اختفاء المزيد من الورشات وفقدان خبرات راكمها الحرفيون على مدى عقود.
ويأمل المهنيون أن تجد مطالبهم آذاناً صاغية لدى الجهات المختصة، حتى تستعيد صناعة الفضة بمدينة تزنيت مكانتها، وتواصل أداء دورها كرافعة اقتصادية وسياحية، وكموروث حضاري يعكس هوية المدينة ويحافظ على أحد أبرز رموز الصناعة التقليدية المغربية.
قم بكتابة اول تعليق