موند بريس / متابعة: محمد أيت المودن
تتسع دائرة الجدل بخصوص مشروع طرقي بالعالم القروي بجماعة أقصري، قيادة تغازوت، عمالة أكادير إداوتنان، بعدما بدأت تظهر، وفق معطيات متداولة وفيديوهات وشهادات من الساكنة، مجموعة من العيوب والتشققات على مقاطع من الطريق التي كان يفترض أن تشكل رافعة أساسية لفك العزلة عن عدد من الدواوير وربطها بمراكز الخدمات والمرافق الأساسية.
ويتعلق الأمر بالطريق المؤدية إلى دواوير أكني أوفلا، أكني أوزدار، أيت الحسن، تفرضين، أكرض، إلى جانب دواوير أخرى تابعة للنفوذ الترابي لجماعة أقصري، وهي مناطق ظل سكانها لسنوات يراهنون على هذا المشروع لتحسين ظروف التنقل وتجاوز الصعوبات التي تفرضها طبيعة المنطقة الجبلية وتضاريسها الوعرة.
غير أن المشروع، الذي لم تمر سوى مدة تقل عن أربع سنوات على انتهاء الأشغال به، بات، بحسب المعطيات المتوفرة، يثير تساؤلات متزايدة حول مدى صمود الطريق أمام العوامل الطبيعية والاستعمال اليومي، خاصة مع بروز تشققات وعيوب بعدد من المقاطع، إلى جانب انجرافات للتربة والصخور تتسبب بين الفينة والأخرى في عرقلة حركة السير وإغلاق الطريق بشكل مؤقت.
تشققات مبكرة تفتح ملف جودة الأشغال
وتطرح الحالة التي وصلت إليها بعض أجزاء الطريق سؤالاً أساسياً حول جودة الأشغال والمواد الأساسية التي تم استعمالها في إنجاز المشروع، خصوصاً أن ظهور عيوب ملحوظة خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً من انتهاء الورش يدفع فعاليات محلية إلى المطالبة بالكشف عن حقيقة ما جرى، وتحديد مدى مطابقة الأشغال المنجزة للمواصفات التقنية المنصوص عليها في دفتر التحملات.
ولا يتعلق الأمر، وفق ما تؤكده مصادر محلية، بمجرد تشققات سطحية معزولة، بل بملاحظات تشمل عدداً من المقاطع والمنشآت المرتبطة بالطريق، في وقت يرى فيه السكان أن طبيعة العيوب تستوجب تدخلاً تقنياً مستقلاً للوقوف على أسبابها، بدل الاكتفاء بإصلاحات ظرفية قد لا تعالج أصل المشكلة.
وتبرز هنا، بشكل خاص، مسألة المواد الأولية المستعملة في إنجاز الطريق، وما إذا كانت مطابقة فعلاً للمعايير التقنية المحددة في وثائق المشروع، وما إذا كانت عمليات المراقبة والاختبارات التقنية قد تمت وفق الشروط المطلوبة قبل وأثناء تنفيذ الأشغال.
هل احترم دفتر التحملات؟
السؤال الذي بات يتردد بقوة في أوساط الساكنة وفعاليات المجتمع المدني بالمنطقة يتمثل في مدى احترام الشركة المنفذة لمختلف بنود دفتر التحملات، سواء تعلق الأمر بجودة المواد المستعملة، أو سماكة الطبقات، أو طريقة إنجاز الأشغال، أو عمليات التصريف والحماية من مياه الأمطار، أو المعايير التقنية الخاصة بالمقاطع والمنشآت التابعة للطريق.
وإذا كانت العوامل الطبيعية، من أمطار غزيرة وانجرافات وتضاريس جبلية، يمكن أن تفسر جزءاً من الأضرار التي قد تلحق بالطرق، فإن ذلك لا يلغي، بحسب الفاعلين المحليين، ضرورة إخضاع المشروع لخبرة تقنية تحدد بشكل دقيق أسباب التشققات والانهيارات، وما إذا كانت مرتبطة بعوامل طبيعية أم بعيوب في التنفيذ أو المواد أو الدراسات أو أشغال الصيانة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى جواب رسمي عن سؤال جوهري: هل تم إنجاز المشروع وفق المعايير التقنية المحددة في دفتر التحملات، وهل خضعت مختلف مراحل الأشغال للمراقبة والاختبارات اللازمة؟
انجرافات متكررة ومخاوف على سلامة مستعملي الطريق
ولا تقتصر الإشكالات المطروحة على التشققات، إذ تشهد بعض المقاطع، بحسب المعطيات المحلية، انجرافات للتربة وتساقطاً للصخور، ما يؤدي أحياناً إلى تضييق الطريق أو إغلاقها أمام مستعمليها.
وتكتسي هذه النقطة أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة المنطقة، التي تضم منعرجات ومقاطع جبلية، حيث يمكن لأي انهيار صخري أو انجراف للتربة أن يتحول إلى خطر حقيقي على مستعملي الطريق، خصوصاً في فترات التساقطات المطرية.
كما تثار تساؤلات بشأن غياب أو عدم كفاية بعض تجهيزات السلامة، خاصة الجدران الوقائية والحواجز الواقية في عدد من المنعرجات التي تعتبرها الساكنة خطيرة، وهو ما يرفع منسوب القلق بشأن سلامة السيارات والحافلات ومستعملي الطريق، ولا سيما في الفترات التي تعرف فيها المنطقة ظروفاً جوية صعبة.
جمعيات مدنية تراسل الجهات المختصة
وأمام تزايد هذه الملاحظات، لم تبق فعاليات المجتمع المدني بالمنطقة مكتوفة الأيدي، إذ قامت مجموعة من الجمعيات، وفق المعطيات المتوفرة، بمراسلة الجهات المختصة من أجل لفت الانتباه إلى وضعية الطريق والمطالبة بالتدخل.
كما تم، بحسب المصادر ذاتها، توجيه شكاية إلى عمالة أكادير إداوتنان، وأخرى إلى مجلس جهة سوس ماسة، بهدف فتح تحقيق في ظروف إنجاز المشروع، والوقوف على الأسباب الحقيقية التي تقف وراء ظهور هذه العيوب في فترة زمنية قصيرة نسبياً.
وتطالب الجمعيات والساكنة بأن لا يقتصر التعامل مع الملف على عمليات ترقيع أو إصلاح موضعي، وإنما بفتح تحقيق تقني وإداري شامل، يمكن أن يحدد المسؤوليات، إن وجدت، ويكشف مدى احترام مختلف الأطراف المتدخلة في المشروع للالتزامات المحددة في دفتر التحملات.
الساكنة تحتج: نريد طريقاً تصمد لسنوات
وتقول فعاليات محلية إن مطلب السكان لا يتجاوز الحصول على طريق آمنة وسليمة وقادرة على أداء وظيفتها الأساسية في فك العزلة عن الدواوير وربطها بمختلف المراكز الحيوية.
فالطريق بالنسبة إلى سكان أكني أوفلا وأكني أوزدار وأيت الحسن وتفرضين وأكرض وغيرها من الدواوير ليست مجرد مشروع للبنية التحتية، وإنما شريان حيوي يرتبط بالتنقل، والوصول إلى المؤسسات التعليمية والصحية، ونقل المنتجات الفلاحية، وقضاء الأغراض اليومية، فضلاً عن تسهيل تدخل سيارات الإسعاف ومصالح الوقاية والإنقاذ عند الحاجة.
ومن هذا المنطلق، فإن ظهور عيوب في مشروع حديث نسبياً يثير استياء السكان، الذين يعتبرون أن الأموال العمومية المرصودة لمثل هذه المشاريع يفترض أن تضمن إنجاز طرق تستجيب للمعايير المطلوبة وتراعي خصوصيات المناطق الجبلية.
مطالب بخبرة تقنية مستقلة
وفي ظل تعدد الملاحظات والشكايات، تبرز الحاجة إلى إجراء خبرة تقنية مستقلة وشاملة على الطريق، تشمل مختلف مراحل المشروع، بدءاً من الدراسات التقنية، مروراً بمصدر وجودة المواد المستعملة، ووصولاً إلى طرق التنفيذ والمراقبة والتسلم.
كما يتعين، وفق المطالب المطروحة محلياً، التحقق من نتائج الاختبارات التقنية التي أجريت خلال مراحل الإنجاز، ومحاضر المراقبة والتسلم، ومدى مطابقة الأشغال المنجزة للمواصفات المنصوص عليها في الوثائق التعاقدية.
وتطالب فعاليات محلية أيضاً بالكشف عن الجهة التي تولت مراقبة الأشغال وتتبع تنفيذ المشروع، ومدى قيامها بالمهام المنوطة بها، خصوصاً أن جودة أي مشروع طرقي لا ترتبط فقط بالشركة المنفذة، وإنما كذلك بفعالية آليات المراقبة والتتبع والاستلام.
أسئلة تنتظر أجوبة رسمية
ويضع هذا الملف عدداً من الأسئلة على طاولة الجهات المعنية: ما أسباب ظهور هذه التشققات والعيوب بعد أقل من أربع سنوات على انتهاء الأشغال؟ وهل تتطابق المواد المستعملة مع المواصفات التقنية؟ وهل تم احترام جميع بنود دفتر التحملات؟ وهل خضعت الأشغال للمراقبة والاختبارات المطلوبة؟ ومن يتحمل مسؤولية إصلاح الأضرار الحالية؟ وهل يتوفر المشروع على ضمانات تتيح إلزام الجهة المنفذة بإصلاح العيوب في حال ثبوت ارتباطها بخلل في التنفيذ؟
كما يطرح السكان سؤالاً آخر لا يقل أهمية: هل تمت مراعاة خصوصية المنطقة الجبلية في تصميم وإنجاز الطريق، خاصة فيما يتعلق بتصريف مياه الأمطار، وحماية المنحدرات، وتثبيت التربة، وتأمين المنعرجات؟
تحقيق شامل لتبديد الشكوك
وأمام هذه المعطيات، تبدو الحاجة ملحة إلى تدخل الجهات المختصة لإجراء افتحاص تقني وإداري يضع حداً لحالة الغموض التي تحيط بالمشروع، خصوصاً في ظل الحديث عن احتمال وجود اختلالات في جودة الأشغال أو المواد المستعملة، وهي معطيات تبقى، في غياب نتائج خبرة رسمية، مجرد ادعاءات وملاحظات تحتاج إلى التحقق.
فالهدف، في نهاية المطاف، لا ينبغي أن يكون توجيه الاتهامات إلى جهة بعينها، وإنما تحديد مكامن الخلل إن وجدت، وترتيب المسؤوليات وفق القانون، وضمان إصلاح ما يحتاج إلى إصلاح، وحماية المال العام، والأهم ضمان سلامة السكان ومستعملي الطريق.
وبينما تواصل الساكنة وفعاليات المجتمع المدني رفع صوتها للمطالبة بالتدخل، تبقى الكرة في ملعب عمالة أكادير إداوتنان ومجلس جهة سوس ماسة وباقي الجهات المتدخلة في المشروع، من أجل تقديم توضيحات للرأي العام، وفتح تحقيق جدي وشفاف، والكشف عن حقيقة الأشغال ومدى مطابقتها لدفتر التحملات.
فمشاريع فك العزلة عن العالم القروي يفترض أن تكون استثمارات مستدامة تخدم السكان لعقود، لا أوراشاً تظهر عيوبها بعد سنوات قليلة من إنجازها. وما تنتظره ساكنة أقصري اليوم هو طريق آمنة وصلبة، وتحقيق واضح يجيب عن الأسئلة العالقة، ويحدد المسؤوليات بعيداً عن أي حسابات أو اعتبارات.
قم بكتابة اول تعليق