موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع
ليس كل غياب يُقاس بالمسافة، ولا كل حضور يُقاس بالجسد. ثمة علاقات تستمر في الظاهر بينما تنطفئ في العمق حيث يعيش الشريك بالقرب يشاركك اليوميّات، لكنه يوجد خارج الدائرة الوجدانية للعلاقة. هنا لا يحدث الفراق بل يحدث ما هو أدهى، الانسحاب الصامت أو ما يمكن تسميته نفسيا بمتلازمة الغياب الحاضر.
في هذه الحالة لا ينتهي الرابط رسميا، لكنه يفقد جوهره. تصبح العلاقة قائمة من حيث الشكل، خاوية من حيث المعنى، أشبه بجسدٍ يحتفظ بوضعه الطبيعي بعد أن غادرته الروح.
الغياب بوصفه آلية دفاع نفسية
من منظور نفسي لا ينسحب الإنسان وجدانيا إلا حين يعجز عن المواجهة. فالغياب الحاضر ليس قرارا واعيا دائما، بل غالبا ما يكون آلية دفاع أمام إرهاق عاطفي مزمن، أو صراع داخلي لم يجد لغةً للتعبير. هنا يختار الفرد البقاء دون مشاركة، والقرب دون تواصل، والسكوت بدل الصدام.
يقول إريك فروم: “إن العلاقة التي تفقد بعدها الإنساني تتحول إلى علاقة استعمال، حيث يوجد الآخر دون أن يُرى”. وفي هذا السياق يصبح الشريك الغائب حاضرا جسديا فقط لأنه لم يعد قادرا على تحمّل ثقل الانخراط الوجداني.
حين يتحول القرب إلى عزلة
المفارقة القاسية في هذه المتلازمة أن الطرف الآخر لا يُحرم من الشريك، بل يُحرم من حضوره. يعيش وحدة مركّبة لأن الألم لا يجد مبررا واضحا ولا نهاية محددة. فلا هو مهجور ليحزن ولا هو مُحتضن ليطمئن. إنها منطقة رمادية تُربك النفس وتستنزفها ببطء.
ويشير زيغمونت باومان إلى أن أخطر العلاقات هي تلك التي تُبقي الإنسان معلقا، لا هو قادر على الرحيل ولا على البقاء. وهنا تتآكل الثقة بالنفس ويبدأ الشك في القيمة الذاتية، لا بسبب ما قيل بل بسبب ما لم يُقَل.
الرتابة وفقدان المعنى
في كثير من الأحيان لا يكون الغياب نتيجة خلافات حادة، بل نتيجة فقدان المعنى. حين تتحول العلاقة إلى تكرار ميكانيكي يخلو من الدهشة، ومن الإحساس بالاختيار ينسحب أحد الطرفين تدريجيا. لا لأنه لم يعد يحب بل لأنه لم يعد يشعر.
فيكتور فرانكل يرى أن الإنسان لا يحتمل العيش في فراغ وجودي طويلا، فإذا غاب المعنى غاب الإنسان من حيث لا يدري. وهكذا يغيب الشريك عن العلاقة دون أن يغادرها لأن البقاء صار عادة لا رغبة.
العصر الرقمي وتعميق الانفصال
في زمن التشتت الرقمي ازداد هذا النمط شيوعا. فالحضور الجسدي بات أسهل من الحضور النفسي، والانشغال الدائم صار ذريعة مقبولة للغياب. الشريك موجود لكن انتباهه موزّع، وعاطفته مؤجلة، وتفاعله مؤقت. وهكذا تتآكل العلاقة لا بفعل الخيانة بل بفعل الإهمال الوجداني.
وقد عبّر مارتن بوبر عن ذلك بقوله إن العلاقة الحقيقية لا تقوم على وجود الآخر، بل على حضوره. فالحضور فعلٌ داخلي لا مجرّد مشاركة مكان.
هل يمكن إنقاذ العلاقة؟
الإنقاذ ممكن فقط حين يُسمّى الغياب باسمه. فالصمت لا يُعالج الصمت والتجاهل لا يعيد الحميمية. والحوار العميق غير الاتهامي قد يكشف إن كان الغياب مرحلة عابرة أم بنية مستقرة. لكن الإقامة الطويلة في علاقة يغيب فيها الآخر وجدانيا دون وعي أو قرار، هي شكل من أشكال التآكل النفسي البطيء.
الحضور اختيار أخلاقي
في نهاية المطاف ليست العلاقات وعدا بالبقاء بل التزاما بالحضور. فأن يعيش الشريك قربك دون أن يكون معك هو دعوة قاسية لإعادة السؤال:
هل نحتاج إلى من يشاركنا المكان أم إلى من يشاركنا الوعي والمعنى؟
إن الغياب الحقيقي لا يبدأ عند الرحيل بل عند اللحظة التي يتوقف فيها الآخر عن أن يكون حاضرا في العلاقة دون أن يترك شريكه في حالة انتظار.
قم بكتابة اول تعليق