موند بريس / بقلم: دة. سعاد السبع
قراءة سوسيواجتماعية في صناعة المعتقد وتكريس المقدّس في المخيال الجمعي
يشكل المغرب فضاء غنيا بتعدد أشكال التعبير الديني والثقافي، حيث تتجاور أنماط التدين الفردي والجماعي، الممارسات الشعائرية الرسمية والتقاليد المحلية التي تراكمت عبر قرون طويلة. ومن بين أكثر الظواهر التي تكشف هذا التداخل حضور المواسم وزيارة الأضرحة والزوايا، وما يرتبط بها من طقوس وتصورات حول البركة والشفاعة والكرامات والاستجابة للدعاء.
ولا تكمن أهمية هذه الظاهرة في بعدها الديني وحده، وإنما في كونها تتجاوز المجال التعبدي إلى مجالات اجتماعية وثقافية ونفسية واقتصادية ورمزية متعددة. فالموسم في كثير من المناطق المغربية لا يمثل مجرد مناسبة لزيارة ضريح ولي صالح، وإنما يتحول إلى فضاء تلتقي فيه الذاكرة الجماعية بالهوية المحلية، القرابة بالتضامن، المعتقد بالممارسة، الطقس بالاحتفال والحاجة النفسية بالبحث عن الأمان والمعنى.
وقد وصفت الباحثة Fenneke Reysoo الموسم المغربي بأنه “ظاهرة اجتماعية كلية” بالنظر إلى ما يجمعه من أبعاد دينية واقتصادية واجتماعية ونفسية وما يكشفه من اختلافات مرتبطة بالجنس والعمر والتعليم والوضع الاجتماعي.
ومن هنا فإن دراسة المواسم والأضرحة لا ينبغي أن تنحصر في السؤال: هل هذه الممارسات صحيحة أم خاطئة؟ وإنما يمكن أن تنطلق من سؤال سوسيولوجي أعمق: كيف تتحول المعتقدات إلى ممارسات اجتماعية متوارثة، وكيف تكتسب هذه الممارسات شرعيتها داخل الذاكرة الجماعية، ثم تعيد إنتاج نفسها عبر الأجيال؟
أولا: الضريح باعتباره فضاء اجتماعيا للمقدّس
يحتل الضريح في المخيال الشعبي المغربي موقعا يتجاوز كونه مكانا يحتضن قبر شخص صالح. فهو يتحول في بعض السياقات المحلية إلى فضاء رمزي تتقاطع فيه الذاكرة والتاريخ والهوية والمقدس.
وتوضح الدراسات الأنثروبولوجية أن الأضرحة المغربية يمكن أن تؤدي وظائف متعددة مرتبطة بالمجال والمعرفة والهوية المحلية، بحيث يصبح الضريح جزءا من طريقة الجماعة في فهم المكان وتنظيم علاقتها به. وقد درست أعمال أنثروبولوجية متخصصة الأضرحة المغربية باعتبارها أنظمة للمعرفة الموزعة داخل المجال الاجتماعي والثقافي.
وبذلك يصبح المكان حاملا لسيرة الولي، والولي حاملا لذاكرة المكان، بينما تتولى الجماعة إعادة إنتاج هذه الذاكرة من خلال الحكايات والزيارات والطقوس والمناسبات السنوية.
إننا أمام عملية تقديس للمكان بواسطة الذاكرة الجماعية، فالمكان يكتسب قيمته من الشخصية المدفونة فيه، والشخصية تستمر في الحضور الرمزي من خلال المكان.
وهكذا لا يعود الضريح مجرد أثر مادي للماضي، وإنما يصبح جزءا من الحاضر الاجتماعي.
ثانيا: من الولي إلى “البركة”… كيف يتشكل الاعتقاد؟
تحتل البركة موقعا مركزيا في كثير من التصورات المرتبطة بالأولياء والأضرحة في المجتمعات المغاربية.
والبركة من منظور أنثروبولوجي ليست مجرد مفهوم ديني مجرد وإنما يمكن أن تتحول إلى رأسمال رمزي تنتقل دلالته عبر الأشخاص والأماكن والأشياء والطقوس.
وقد أظهرت دراسات تاريخية وأنثروبولوجية أن مفهوم البركة ارتبط في التقاليد الإسلامية بمفهوم القداسة، وأن المتدينين سعوا تاريخيا إلى التماس البركة من الأنبياء والأولياء وبعض الأماكن والأشياء ذات القيمة الدينية.
وفي السياق المغربي، اكتسبت البركة أبعاداً اجتماعية إضافية إذ ارتبطت في بعض المناطق بنسب الأولياء، وبالزوايا، وبالسلالات الشريفة، وبمكانة بعض الشخصيات داخل البنية الاجتماعية.
ويكشف عمل Raymond Jamous حول الريف المغربي مثلا عن أهمية البركة باعتبارها قيمة اجتماعية تتفاعل مع قيم أخرى، وعلى رأسها الشرف، وتؤثر في العلاقات والتوازنات داخل المجتمع.
وهنا تصبح البركة مفهوما يتجاوز التجربة الفردية، إذ تتحول إلى اعتقاد اجتماعي مشترك تتناقله الجماعة وتمنحه معاني متعددة.
ثالثا: الموسم… عندما يتحول الاعتقاد الفردي إلى طقس جماعي
تتمثل إحدى أهم خصائص الموسم في أنه ينقل الاعتقاد من مستواه الفردي إلى المستوى الجماعي.
فقد يزور الفرد ضريحا بحثا عن البركة أو طلبا للدعاء أو أملا في تحقيق أمنية أو دفع ضرر. لكن عندما تتكرر الزيارة سنويا، ويشارك فيها أفراد الأسرة والعشيرة والقرية، وترافقها طقوس محددة وحكايات متوارثة واحتفالات يتحول الاعتقاد إلى ممارسة جماعية منظمة.
وهنا يحدث ما يمكن تسميته سوسيولوجيا بـ التطبيع الاجتماعي للمعتقد.
فالطفل الذي يصطحبه والداه إلى الموسم لا يتلقى درسا نظريا حول الاعتقاد، وإنما يتعلمه من خلال الممارسة: يرى الكبار، يراقب الطقوس، يسمع الحكايات، يشارك في الاحتفال، ويكتسب تدريجيا اللغة الرمزية التي تفسر له ما يحدث.
وبهذه الطريقة تنتقل المعتقدات عبر ما يمكن تسميته التنشئة الاجتماعية الدينية والثقافية.
وهذا يفسر لماذا قد تستمر بعض الممارسات حتى عندما تتغير الظروف الاجتماعية والتعليمية التي أنتجتها أصلا.
رابعا: المخيال الجمعي وصناعة “الحقيقة الاجتماعية”
إن المعتقد لا يستمد قوته دائما من البرهان الفردي، وإنما يمكن أن يستمدها من التكرار الاجتماعي.
عندما تقول الجماعة إن هذا الولي “مجرب”، وإن زيارته “مباركة”، وإن الدعاء عند ضريحه “مستجاب”، فإن هذه الأقوال لا تبقى مجرد آراء فردية، وإنما تتحول عبر التكرار إلى جزء من الذاكرة الجماعية.
وهنا يمكن الاستفادة من التصور السوسيولوجي للمخيال الجمعي باعتباره منظومة من الصور والرموز والحكايات والتصورات التي تشترك الجماعة في إنتاجها وإعادة تداولها.
أما Clifford Geertz فقد أسس في الأنثروبولوجيا الدينية لفهم الدين والثقافة بوصفهما منظومات للمعنى، بحيث لا تقتصر مهمة الباحث على وصف الطقس، وإنما تتجه إلى فهم المعاني التي تمنحها الجماعة لهذا الطقس.
ومن هذا المنظور، فإن قصة الكرامة ليست مجرد حكاية، إنها آلية لإنتاج المعنى.
وحكاية شخص شُفي بعد زيارة ضريح، أو امرأة تحقق لها مطلب بعد نذر، أو رجل عاد من الموسم وهو يشعر بالطمأنينة… يمكن أن تتحول إلى ذاكرة متداولة، ثم إلى شهادة جماعية، ثم إلى جزء من سردية المكان.
ومع كل عملية تناقل، تزداد قوة الرواية داخل الجماعة.
خامسا: الحكاية الشعبية كآلية لإعادة إنتاج المعتقد
تلعب الحكاية دورا أساسيا في استمرار كثير من المعتقدات.
فالمجتمع لا يحفظ المعتقدات من خلال الكتب وحدها، وإنما يحفظها أيضا بواسطة القصص.
والحكاية المرتبطة بالولي غالبا ما تتضمن عناصر من قبيل الكرامة، والشفاء، والإنقاذ، وحماية المكان، والاستجابة للدعاء، أو القدرة الاستثنائية على تجاوز المألوف.
ومع مرور الزمن، قد يصعب الفصل بين الشخصية التاريخية وبين الصورة التي صنعتها الذاكرة الجماعية عنها.
وقد نبهت الدراسات الأنثروبولوجية إلى ضرورة عدم التعامل مع هذه الحكايات فقط بمنطق التمييز بين “الحقيقة” و”الخرافة”، وإنما أيضا باعتبارها مواد تكشف عن احتياجات الجماعة وتصوراتها ورؤيتها للعالم.
ويشير Raymond Jamous إلى أن دراسة القداسة والحكايات المرتبطة بها تكشف كيف يمكن للسرد الأسطوري أن يستجيب لحاجات الجماعة إلى المعنى والعجيب والاستثنائي.
ومن هنا يمكن القول إن الحكاية لا تكتفي بتفسير المعتقد، إنها تنتجه وتعيد إنتاجه.
سادسا: الأسرة ودورها في توريث المعتقد
تلعب الأسرة دورا محوريا في تكريس كثير من التصورات المرتبطة بالأضرحة والمواسم.
فالمعتقد ينتقل غالبا عبر سلسلة من العبارات اليومية:
“هذا ولي صالح.”
“هذا المكان فيه البركة.”
“جدتك كانت تأتي إلى هنا.”
“نحن نزور هذا الضريح منذ زمن بعيد.”
“هذا الموسم عادة العائلة.”
وقد تبدو هذه العبارات بسيطة، لكنها تؤدي وظيفة تربوية عميقة لأنها تربط المعتقد بالانتماء.
وبذلك لا يصبح التخلي عن الممارسة مجرد التخلي عن طقس، وإنما قد يُفهم اجتماعيا باعتباره ابتعادا عن تقليد الأسرة أو الجماعة.
وهنا تظهر قوة العادة الاجتماعية، فالفرد قد يستمر في ممارسة سلوك معين لأنه جزء من “ما اعتدنا عليه”، حتى عندما لا يستطيع تقديم تفسير واضح لكل تفاصيله.
سابعا: الموسم كفضاء للانتماء والهوية المحلية
لا ينبغي اختزال الموسم في علاقته بالاعتقاد الديني وحده.
فالموسم يؤدي في عدد من المناطق وظيفة اجتماعية تتصل بإعادة بناء الروابط الجماعية.
إنه مناسبة للقاء الأسر، واستقبال الأقارب، وإحياء علاقات قديمة، وتنشيط الذاكرة المحلية، وتنظيم الأنشطة التجارية والاحتفالية.
وتشير الدراسات حول زيارة ضريح مولاي عبد السلام بن مشيش إلى أن الزيارة الجماعية يمكن أن تعمل على إنتاج تجربة مشتركة للمكان والهوية، بحيث يشارك الأفراد في إعادة تشكيل معنى المكان من خلال الرحلة الجماعية والطقوس والتفاعل الاجتماعي.
ومن هذه الزاوية، يصبح الموسم مؤسسة اجتماعية غير مكتوبة.
فهو يحدد موعدا للقاء، ويخلق حركة اجتماعية واقتصادية، ويعيد وصل أفراد الجماعة، ويمنح المكان مناسبة سنوية لاستعادة هويته.
ثامنا: البعد النفسي… الحاجة إلى المعنى والأمان
يقدم التحليل النفسي–الاجتماعي مدخلا مهما لفهم استمرار بعض هذه الممارسات.
فالإنسان عندما يواجه المرض أو العقم أو الفقد أو الخوف أو الأزمات الأسرية أو الاقتصادية، يبحث عن تفسير وعن وسيلة لاستعادة الإحساس بالسيطرة على حياته.
وقد توفر الزيارة في بعض الحالات إطارا نفسيا للطمأنينة.
إن الطقس بما يتضمنه من تكرار وحركة ودعاء ورموز وجماعة يمكن أن يمنح الفرد شعورا بأنه يقوم بفعل ما في مواجهة وضع يبدو خارجا عن إرادته.
وهنا لا تكون أهمية الطقس في نتيجته الموضوعية فقط، وإنما في الأثر النفسي الذي يحدثه لدى ممارسه.
وهذا يفسر جزئيا قدرة بعض الممارسات على الاستمرار حتى في البيئات التي ارتفع فيها مستوى التعليم، لأن التعليم لا يلغي بالضرورة الحاجة الإنسانية إلى المعنى والأمان والانتماء.
تاسعا: المرأة والموسم… بين التعبد والبحث عن الاعتراف الاجتماعي
يكتسب حضور النساء في المواسم أهمية خاصة في الدراسات السوسيولوجية.
فالموسم قد يشكل بالنسبة لبعض النساء مجالا للتعبير عن مطالب شخصية واجتماعية يصعب التعبير عنها داخل الحياة اليومية، خاصة في المجتمعات التقليدية.
وقد اهتمت دراسات ميدانية حول المواسم المغربية بمكانة النساء في هذه الممارسات، وربطت بعض أشكال الزيارة بالظروف الاجتماعية والنفسية للنساء.
ومن هنا يمكن قراءة الزيارة أحيانا باعتبارها مساحة تفاوض رمزي مع الواقع.
فالمرأة التي تأتي إلى الضريح قد تحمل معها رغبة في الإنجاب، أو الخلاص من مشكلة أسرية، أو طلبا للطمأنينة، أو مجرد رغبة في الانتماء إلى جماعة نسائية تشاركها التجربة.
ولا ينبغي للباحث أن يفترض مسبقا أن الدافع واحد لدى جميع النساء، فالطقس الواحد يمكن أن يؤدي وظائف مختلفة بحسب العمر والوضع الاجتماعي والتجربة الشخصية.
عاشرا: حين يتحول المعتقد إلى مؤسسة اجتماعية
مع مرور الزمن قد تتجاوز الممارسة حدود الاعتقاد الفردي لتصبح لها بنية اجتماعية واقتصادية.
فالضريح قد يرتبط بجماعة من القائمين عليه، وبنظام للضيافة، وبالتجارة المحلية، وبالنقل، وبالإطعام، وبالحرف، وبأنشطة موسمية مختلفة.
وهكذا ينتج الموسم اقتصادا مؤقتا حول المقدس.
وهذا البعد مهم سوسيولوجيا لأنه يبين أن المعتقد لا يعيش في عالم منفصل عن المصالح والعلاقات الاجتماعية، وإنما يتقاطع معها.
وقد بينت دراسات حول المؤسسات المارابوطية في المغرب أن الزوايا والأضرحة ارتبطت تاريخيا أيضا بتنظيمات اجتماعية ومؤسساتية وبمصادر للدخل وبعلاقات السلطة والنسب والمكانة.
حادي عشر: السلطة والقداسة وإنتاج الشرعية
يأخذ الموضوع بعدا أكثر تعقيدا عندما ننتقل من المجتمع المحلي إلى سؤال السلطة.
فالتاريخ المغربي يكشف عن تداخل طويل بين القداسة والسلطة والنسب والزوايا.
وقد درس Abdallah Hammoudi العلاقة بين القداسة والسلطة والمجتمع في تجربة تمكروت، موضحا أن الزاوية والمخزن لا يمكن فهمهما باعتبارهما مجالين منفصلين تماما، وإنما ضمن علاقات تاريخية معقدة بين المجال الديني والاجتماعي والسياسي.
كما تناول Ernest Gellner الدين والسلطة في المجتمع المغربي، وقدم أحد أكثر النماذج تأثيرا في الأنثروبولوجيا المغربية، وإن كانت أعماله قد تعرضت لاحقا لنقد واسع بسبب بعض الافتراضات المتعلقة بالبنية الاجتماعية المغربية.
وهذا يعني أن المقدس لا يوجد خارج المجتمع، فهو يتفاعل مع علاقات القوة والمكانة والنسب والشرعية.
ثاني عشر: بين التدين الشعبي والتدين المؤسسي
من الأخطاء المنهجية التعامل مع المجتمع المغربي وكأنه ينقسم إلى فئتين متعارضتين: فئة “متدينة” وأخرى “خرافية” فالواقع أكثر تعقيدا.
وقد أظهرت الدراسات التاريخية حول الزيارة الصوفية في المغرب والمغرب الإسلامي أن مواقف العلماء من زيارة الأضرحة لم تكن دائما متطابقة، فقد وجدت مواقف متعددة تراوحت بين القبول والتحفظ والرفض، كما تكيفت المعايير الدينية مع ممارسات اجتماعية كانت راسخة في المجتمع.
وهذا المعطى مهم جدا، لأنه يمنع الباحث من بناء ثنائية جامدة بين “الإسلام الرسمي” و”الإسلام الشعبي”.
فالمجال الديني نفسه كان تاريخيا مجالا للنقاش والتفاوض وإعادة تعريف الحدود بين المشروع والمرفوض والمقبول اجتماعيا.
ثالث عشر: لماذا تستمر هذه المعتقدات في العصر الحديث؟
قد يبدو استمرار بعض هذه الممارسات في زمن التعليم والتمدن والرقمنة أمرا مفارقا.
غير أن التحديث لا يؤدي بالضرورة إلى اختفاء المعتقدات التقليدية.
فالإنسان الحديث رغم امتلاكه أدوات علمية متقدمة، يظل محتاجا إلى الرموز والذاكرة والانتماء والمعنى.
بل إن بعض الممارسات قد تعيد إنتاج نفسها في أشكال جديدة.
فالموسم اليوم قد يكون في الوقت نفسه طقسا دينيا، واحتفالا ثقافيا، ومناسبة عائلية، وذاكرة محلية، وفضاء اقتصاديا، ومظهرا من مظاهر الهوية.
وهذه التعددية في الوظائف تمنح الظاهرة قدرة كبيرة على الاستمرار.
كما أن بعض الدراسات الحديثة حول المغرب تشير إلى استمرار حضور الإسلام المالكي والصوفي في تعريف الهوية الدينية المغربية المعاصرة ضمن تحولات الدولة والمجتمع والمؤسسة الدينية.
رابع عشر: المخيال الجمعي لا يحفظ المعتقد فقط… وإنما يعيد إنتاجه
يمكن تلخيص آلية استمرار هذه المعتقدات في سلسلة اجتماعية متكاملة:
تجربة فردية → حكاية → تداول عائلي → اعتقاد جماعي → طقس متكرر → موسم سنوي → ذاكرة جماعية → هوية محلية → إعادة إنتاج عبر الأجيال.
وهذه السلسلة تكشف أن المعتقد لا يعيش منفردا داخل ذهن الفرد.
إنه يعيش داخل شبكة اجتماعية من اللغة والذاكرة والطقوس والأشخاص والأماكن.
ولهذا قد يكون من الصعب تغيير معتقد متجذر بمجرد تقديم معلومة مضادة، لأننا لا نواجه فكرة منفردة، وإنما نواجه منظومة كاملة من المعاني والانتماءات والتجارب الشخصية.
خاتمة: من سؤال “الخرافة” إلى سؤال “المعنى”
إن دراسة المواسم وزيارة الأضرحة في المغرب تحتاج إلى تجاوز المقاربة الاختزالية التي تحصر الظاهرة في ثنائية الإيمان والخرافة.
فالظاهرة من منظور سوسيواجتماعي أكثر تركيبا من ذلك.
إنها نتاج تاريخ طويل تداخلت فيه التصوف والذاكرة المحلية والأنساب والسلطة والاقتصاد والعائلة والحكاية الشعبية والحاجة النفسية إلى الطمأنينة، حتى أصبحت بعض الممارسات جزءا من البنية الرمزية للمجتمع.
ولذلك فإن استمرارها لا يعني بالضرورة أن المجتمع لم يتغير، كما أن الحداثة لا تعني اختفاء المقدس من الحياة اليومية.
فالإنسان يستطيع أن يعيش في عالم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وأن يحتفظ في الوقت نفسه بحاجة عميقة إلى الرمز والذاكرة والطقس والانتماء.
ومن هنا يمكن القول إن قوة الضريح في المخيال الجمعي لا تكمن فقط في القبر الموجود داخله، وإنما في المعاني التي راكمتها الجماعة حوله.
فالضريح يصبح ذاكرة، والموسم يصبح موعدا لاستعادة هذه الذاكرة، والحكاية تصبح وسيلة لنقلها، والطقس يصبح وسيلة لممارستها، والأسرة تصبح قناة لتوريثها.
وهكذا يتحول المعتقد من فكرة يؤمن بها الفرد إلى واقع اجتماعي تصنعه الجماعة وتعيد إنتاجه جيلا بعد جيل.
وفي هذه النقطة تحديدا تكمن أهمية المقاربة السوسيواجتماعية: فهي لا تبدأ من إدانة المعتقد ولا من الدفاع عنه، وإنما تحاول أن تفهم كيف يصنع المجتمع معتقداته، وكيف تمنح هذه المعتقدات المجتمع بدورها معنى وهوية وإحساسا بالاستمرارية.
قم بكتابة اول تعليق