موند بريس / محمد أيت المودن
في أعماق صحراء الأنبار غربي العراق، كشف توثيق بيئي وجيولوجي حديث عن عالم خفي تحت سطح الأرض، يتمثل في كهف عميق تتدفق داخله مياه جوفية وتعيش فيها أسماك نادرة فقدت حاسة البصر بشكل كامل نتيجة تكيفها مع بيئة مظلمة على مدى آلاف السنين.
وأعلنت شرطة البيئة العراقية توثيق كهف وثقب هبوط أرضي يعرف محلياً باسم «الخسفة»، في منطقة تحمل الاسم نفسه التابعة لقضاء حديثة، حيث قاد الاستكشاف إلى مجرى مائي جارٍ تحت الأرض، يضم تجمعات من أسماك المياه العذبة العمياء.
وأوضح المختص في العلوم البيئية الدكتور عمر الشيخلي، من منظمة المناخ الأخضر، أن الموقع يمثل تجويفاً جيولوجياً عميقاً يرتبط بنظام كهفي ممتد تحت الصحراء، مشيراً إلى أن الوصول إلى النهر الجوفي يتطلب النزول لمسافة تقارب كيلومترين داخل التجويف.
ويرتبط هذا المجرى المائي، وفق المعطيات المقدمة، بالنظام المائي المعروف باسم «السبتراين»، الذي يمتد من نهر الفرات لمسافة تزيد على 130 كيلومتراً باتجاه الشرق، ما يعكس تعقيد الشبكة المائية الجوفية في المنطقة.
وتتميز الأسماك التي جرى توثيقها بخصائص استثنائية، أبرزها انعدام العيون وغياب الصبغات الجلدية، ما يمنح أجسام بعضها مظهراً شفافاً أو وردياً شاحباً يسمح برؤية أعضائها الداخلية عند خروجها من المياه المظلمة.
ويربط الباحثون فقدان هذه الأسماك للبصر بما يعرف بـ«التطور الرجعي»، إذ تراجعت وظيفة العين تدريجياً بسبب غياب الضوء، بينما طورت الكائنات آليات أخرى تساعدها على البقاء، من بينها حساسية مرتفعة للمس ونظام متطور للخط الجانبي يمكنها من رصد الاهتزازات والتغيرات الدقيقة في ضغط المياه.
وبحسب المعطيات العلمية المقدمة، جرى توثيق نوعين رئيسيين من هذه الأسماك، مع احتمال وجود نوع ثالث، كما سجلت أحجام تفوق بعض القياسات الواردة في السجلات العلمية السابقة.
ورغم أن وجود هذه الأسماك في المنطقة يعود إلى توثيقات علمية سابقة يرجع أولها إلى سنة 1955، فإن اكتشافها داخل هذا الموقع وبأعداد وخصائص لافتة يمثل، وفق الباحثين، اكتشافاً مهماً من الناحية البيئية والعلمية، بالنظر إلى حجم التجمع والخصائص المسجلة.
وأثار نشر صور ومقاطع توثق الموقع تفاعلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، بين من أشاد بأهمية الاكتشاف ودعا إلى حماية الموقع، وبين سكان محليين أكدوا أن «الخسفة» معروفة لديهم منذ عقود وتشكل جزءاً من الذاكرة الجغرافية والتاريخية للمنطقة.
ويعيد هذا الاكتشاف تسليط الضوء على الثروات الطبيعية غير المرئية التي تختزنها الصحراء العراقية، وعلى أهمية مواصلة البحث العلمي في الكهوف والأنظمة المائية الجوفية، لما قد تكشفه من أنواع نادرة وتشكيلات جيولوجية ما تزال بعيدة عن الاستكشاف الكامل.
قم بكتابة اول تعليق