موند بريس.
ونُشرت سفن حربية أمريكية على مسافة قريبة تتيح لها تنفيذ ضربات ضد الدولة الواقعة في أمريكا الجنوبية، وقُتل العشرات في هجمات استهدفت قوارب يُزعم أنها كانت تحمل مخدرات.
انتخابات الرئاسة في فنزويلا
وصعد نيكولاس مادورو إلى الواجهة السياسية في ظل قيادة الرئيس اليساري هوغو تشافيز وحزب الاشتراكية الموحدة في فنزويلا. وكان مادورو، وهو سائق حافلة سابق وزعيم نقابي، قد خلف تشافيز وتولى الرئاسة في 2013. وخلال الأعوام الستة والعشرين التي حكم فيها تشافيز ومادورو، تمكن حزبهما من إحكام السيطرة على مؤسسات رئيسية، من بينها الجمعية الوطنية، وجزء كبير من السلطة القضائية، والمجلس الانتخابي. وفي 2024، أُعلن فوز مادورو في الانتخابات الرئاسية، رغم أن سجلات الأصوات التي جمعتها المعارضة أشارت إلى أن مرشحها إدموندو غونزاليس فاز بفارق كبير. وكان غونزاليس قد حل محل زعيمة المعارضة البارزة ماريا كورينا ماتشادو على ورقة الاقتراع بعد منعها من الترشح. وحصلت ماتشادو في أكتوبر على جائزة نوبل للسلام تقديرا “لنضالها من أجل تحقيق انتقال عادل وسلمي من الديكتاتورية إلى الديمقراطية”. وتحدت ماتشادو حظر السفر المفروض عليها وتوجهت إلى أوسلو في ديسمبر لتسلم الجائزة بعد أشهر قضتها في الاختباء. وقالت إنها تخطط للعودة إلى فنزويلا، وهي خطوة قد تعرضها لخطر الاعتقال من قبل السلطات الفنزويلية التي أعلنت أنها “هاربة من العدالة”.
لماذا يكثف ترامب هجماته على فنزويلا؟
يحمّل ترامب الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مسؤولية وصول مئات الآلاف من المهاجرين الفنزويليين إلى الولايات المتحدة. ويُقدر أن ما يقرب من ثمانية ملايين فنزويلي قد فروا من الأزمة الاقتصادية والقمع منذ عام 2013. ومن دون تقديم أدلة، اتهم ترامب مادورو بأنه “أفرغ سجونه ومصحات الأمراض العقلية” و”أجبر” نزلاءها على الهجرة إلى الولايات المتحدة. كما ركز ترامب على مكافحة تدفق المخدرات – وخاصة الفنتانيل والكوكايين- إلى داخل الولايات المتحدة. وصنفت إدارة ترامب “جماعتين إجراميتين” فنزويليتين – ترين دي أراغوا وكارتيل دي لوس سوليس- كمنظمات إرهابية أجنبية، وزعمت أن الأخيرة يقودها مادورو نفسه. كما ضاعفت إدارة ترامب المكافأة المخصصة للحصول على معلومات تؤدي إلى القبض على مادورو. وينفي مادورو بشدة أن يكون زعيماً لعصابة، ويتهم الولايات المتحدة باستخدام “حربها على المخدرات” كذريعة لمحاولة الإطاحة به والسيطرة على احتياطيات فنزويلا الهائلة من النفط. ورجح محللون إلى أن كارتيل دي لوس سوليس ليست مجموعة منظمة بعينها، بل مصطلح يُستخدم لوصف مسؤولين فاسدين سمحوا بمرور الكوكايين عبر فنزويلا. وفي منشور على منصة تروث سوشال، اتهم الرئيس الأمريكي حكومة مادورو باستخدام النفط “المسروق” “لتمويل نفسها، و”الإرهاب المرتبط بالمخدرات، والاتجار بالبشر، والقتل، والخطف”. وقال إن حكومة مادورو نفسها صُنفت هي أيضاً كمنظمة إرهابية أجنبية. وردت الحكومة الفنزويلية بوصف منشور ترامب بأنه “تهديد بشع”، واتهمت الرئيس الأمريكي بالسعي إلى سرقة ثروات البلاد.
تحركات عسكرية
نشرت الولايات المتحدة 15 ألف جندي وعدداً من حاملات الطائرات ومدمرات الصواريخ الموجهة وسفن الإنزال الهجومية في منطقة الكاريبي. ووفقاً للتصريحات الرسمية، فإن الهدف من هذا الانتشار -الأكبر في المنطقة منذ الغزو الأمريكي لبنما عام 1989- هو وقف تدفق الفنتانيل والكوكايين إلى الولايات المتحدة. ومن بين السفن المشاركة حاملة الطائرات “يو إس إس جيرالد فورد”، وهي أكبر حاملة طائرات في العالم. وتشير التقارير إلى أن مروحيات أمريكية أقلعت منها قبل أن تستولي القوات الأمريكية على ناقلة نفط قبالة سواحل فنزويلا في 10 دجنبر. وقالت الولايات المتحدة إن الناقلة كانت “تُستخدم لنقل نفط خاضع للعقوبات من فنزويلا وإيران”، بينما وصفت فنزويلا العملية بأنها “قرصنة دولية”. ونفذت القوات الأمريكية في الأشهر الأخيرة أكثر من 20 ضربة في المياه الدولية ضد قوارب يُزعم أنها كانت تحمل مخدرات، مما أسفر عن مقتل أكثر من 90 شخصاً.
“هجوم مخطط وممنهج ضد مدنيين”
تقول إدارة ترامب إنها تخوض صراعاً مسلحاً غير دولي مع مهربي المخدرات المزعومين، الذين تتهمهم بشن حرب غير نظامية ضد الولايات المتحدة. كما وصفت الولايات المتحدة من كانوا على متن تلك القوارب بأنهم “إرهابيون مرتبطون بالمخدرات”، لكن خبراء قانونيين يؤكدون أن هذه الضربات لا تُوجه إلى “أهدافٍ عسكرية مشروعة”. وأثارت الضربة الأولى التي نفذتها القوات الأمريكية في الثاني من شتنبر انتقادات على نطاق واسع، إذ قُتل الناجون من الضربة الأولى بضربة الثانية. وقال مدعٍ عام سابق في المحكمة الجنائية الدولية لبي بي سي إن الحملة العسكرية الأمريكية تندرج تحت فئة الهجوم المخطط والممنهج ضد مدنيين في وقت السلم. ورد البيت الأبيض بأن الولايات المتحدة تصرفت وفق قوانين النزاعات المسلحة لحماية البلاد من العصابات التي “تحاول جلب السموم إلى شواطئنا… وتدمير حياة الأمريكيين”. ويرجح خبراء في مكافحة المخدرات أن فنزويلا تُعد لاعباً ثانوياً نسبياً في تجارة المخدرات العالمية، إذ تعمل أساساً كدولة عبور تُهرب عبرها مخدرات أُنتجت في أماكن أخرى. أما جارتها كولومبيا، فهي أكبر منتج للكوكايين في العالم، لكن يُعتقد أن معظم هذا الكوكايين يدخل الولايات المتحدة عبر طرق أخرى، وليس عبر فنزويلا، وفقاً للخبراء. وبحسب تقرير صادر عن إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية عام 2020، فإن ما يقرب من ثلاثة أرباع الكوكايين الذي يصل إلى الولايات المتحدة يُهرب عبر المحيط الهادئ، بينما تصل نسبة صغيرة فقط عبر قوارب سريعة في منطقة الكاريبي. ورغم أن معظم الضربات الأمريكية في البداية كانت في منطقة الكاريبي، فإن الضربات الأخيرة تركزت بشكل أكبر في المحيط الهادئ. وفي شتنبر الماضي، قال ترامب للقادة العسكريين الأمريكيين إن القوارب المستهدفة “مكدّسة بأكياس من مسحوق أبيض، أغلبه فنتانيل ومخدرات أخرى أيضاً”. ويُعد الفنتانيل مخدراً اصطناعياً أقوى من الهيروين بنحو 50 مرة، وأصبح السبب الرئيسي لوفيات الجرعات الزائدة من المواد المخدرة في الولايات المتحدة. وفي 15 دجنبر، وقع ترامب أمرا تنفيذيا يصنف الفنتانيل على أنه “سلاح دمار شامل”، معتبراً أنه “أقرب إلى سلاح كيميائي منه إلى مخدر”. ومع ذلك، يستمر إنتاج الفنتانيل على نطاق واسع في المكسيك، ويصل إلى الولايات المتحدة بشكل شبه حصري عبر الحدود الجنوبية براً. ولا تعتبر فنزويلا كدولة منشأ للفنتانيل المهرب إلى الولايات المتحدة في تقييم تهديد المخدرات الوطني لعام 2025 الصادر عن إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية.
حجم صادرات فنزويلا من النفط، ومن يشتريه؟
يمثل النفط المصدر الرئيسي للإيرادات الخارجية لحكومة مادورو، إذ تمول أرباحه أكثر من نصف ميزانية الحكومة. وتُصدر فنزويلا حالياً نحو 900 ألف برميل يومياً، وتُعد الصين أكبر مشترٍ بفارق كبير عن غيرها من مستوردي النفط الفنزويلي. ورغم إشارة تقييم أمريكي إلى أن فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي مثبت في العالم، لكن يؤكد ذلك التقييم أنها لا تستغل هذا الاحتياطي بالشكل الكافي. وبلغ إنتاج فنزويلا من النفط في 2023 ما يُقدر بنحو 0.8 في المئة فقط من الإنتاج العالمي، وفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية، وذلك بسبب تحديات فنية ومالية. وبعد الإعلان عن احتجاز الناقلة التي تحمل نفطاً من فنزويلا، قال ترامب لوسائل إعلام “أعتقد أننا قد نحتفظ بالنفط”. ونفت الولايات المتحدة في وقتٍ سابق اتهامات فنزويلا بأن الإجراءات المتخذة ضد حكومة مادورو تهدف إلى الحصول على حق الوصول إلى احتياطيات البلاد غير المستغلة. وفي الوقت الذي تقول الولايات المتحدة الأمريكية، إن الهدف من هذا الهجوم العسكري واسع النطاق ضد فنزويلا، هو الحد من تهريب المخدرات والبشر إلى أراضيها، ذهبت بعض الأقوال إلى أن الهدف من الانتشار العسكري، هو الإطاحة بالرئيس الفنزولي نيكولاس مادورو والاستيلاء على بلاده، من خلال سيناريو يقوم على دفع بعض المعارضة الفنزولية للنزول الى الشارع، والمطالبة بتغيير السياسة المعادية للولايات المتحدة، والتعاون معها في وقف عمليات تهريب المخدرات، ثم إثارة الاضطرابات في داخل فنزويلا بشكل كبير، وصولا إلى إسقاط النظام السياسي بمساعدة واشنطن، ومن دون الدخول في حالة حرب. وتستند هذه الأقوال إلى بعض التصريحات الأمريكية، التي تعتبر أن فنزويلا تقوم بكل ما يزعج الولايات المتحدة، وأنها تموضعت بوضع معادٍ لواشنطن، ودخلت في أحلاف واتفاقات مع دول معادية للولايات المتحدة، ولا يظهر أي تغيير ملموس لهذا التوجه، وعليه فقد حان الوقت لمزيد من الضغط لدفع الشعب الفنزولي لإسقاط النظام.
قم بكتابة اول تعليق