عقوبات أمريكية على المحكمة الجنائية الدولية تثير غضباً أوروبياً وترحيباً إسرائيلياً

موند بريس.

واشنطن تستهدف المؤسسة القضائية الدولية على خلفية ملاحقات مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين.. والاتحاد الأوروبي يحذر من تداعيات القرار على استقلال القضاء ومكافحة الإفلات من العقاب.

أثار قرار الإدارة الأمريكية فرض عقوبات واسعة على المحكمة الجنائية الدولية موجة من الانتقادات في عدد من العواصم الأوروبية والغربية، وسط تحذيرات من انعكاساته على استقلال العدالة الدولية وقدرة المؤسسة القضائية على مواصلة مهامها، في وقت رحبت فيه إسرائيل بالخطوة، التي تأتي في سياق التوتر المتصاعد بشأن الملاحقات القضائية المرتبطة بالحرب في قطاع غزة.

وأعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، الجمعة 9 أكتوبر، أن إدارة الرئيس دونالد ترامب قررت توسيع نطاق العقوبات المفروضة على المحكمة، التي يوجد مقرها في لاهاي، لتشمل إجراءات تستهدف الحد من أنشطتها وتعاملاتها، في إطار ما تصفه واشنطن بالدفاع عن السيادة الأمريكية وحماية مواطنيها من الملاحقات القضائية الدولية.

وبررت الإدارة الأمريكية قرارها برفض اختصاص المحكمة بملاحقة مواطنين أمريكيين، كما وجهت انتقادات حادة إلى أدائها، ووصفتها بأنها مؤسسة تتجاوز صلاحياتها، وفق التصريحات المنسوبة إلى روبيو.

ويأتي هذا التصعيد امتداداً لسلسلة من العقوبات الأمريكية التي استهدفت قضاة ومسؤولين في الادعاء العام بالمحكمة، على خلفية تحقيقات تتعلق بأفعال منسوبة إلى القوات الأمريكية في أفغانستان، فضلاً عن الإجراءات القضائية المرتبطة بمسؤولين إسرائيليين، من بينهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

وتكتسي الإجراءات الجديدة أهمية خاصة لكونها تتجاوز استهداف الأفراد إلى الضغط على المؤسسة نفسها، بما قد يؤثر في قدرتها على تأمين الخدمات المصرفية والتأمين والبرمجيات وغيرها من الخدمات الضرورية لاستمرار عملها. ووفق المعطيات الواردة بشأن القرار، فقد حُددت مهلة ستة أشهر قبل دخول العقوبات حيز التنفيذ، مع إقرار استثناءات محدودة لبعض المعاملات.

وفي أول رد فعل، اعتبرت المحكمة الجنائية الدولية أن هذه التدابير تمثل مساساً بسيادة القانون والمرتكزات الأساسية للنظام القانوني الدولي، مؤكدة عزمها مواصلة أداء مهامها باستقلالية وحياد، رغم الضغوط السياسية والاقتصادية.

وشددت رئيسة المحكمة، توموكو أكاني، على أن المؤسسة لن تتراجع عن مهمتها المتمثلة في محاسبة المسؤولين عن أخطر الجرائم الدولية، داعية الدول الأعضاء، البالغ عددها 125 دولة وفق المعطيات الواردة، إلى التحرك دفاعاً عن استقلال المحكمة وضمان قدرتها على الاضطلاع بمسؤولياتها.

في المقابل، استقبلت إسرائيل القرار بترحيب واضح، إذ أشاد بنيامين نتنياهو بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو، معتبراً أن المحكمة تجاوزت دورها القضائي وتحولت إلى هيئة ذات طابع سياسي، وفق موقفه المعلن.

وعلى الضفة الأوروبية، قوبلت الخطوة الأمريكية بانتقادات متزايدة، حيث وصف الاتحاد الأوروبي العقوبات بأنها «مؤسفة للغاية»، مؤكداً استعداده لاتخاذ التدابير اللازمة لحماية استقلال المحكمة وضمان استمرار عملها دون عراقيل.

كما عبرت بلجيكا والنرويج وإسبانيا عن رفضها لهذه الإجراءات، وسط دعوات أوروبية إلى تفعيل آليات الحماية المتاحة لتفادي امتداد آثار العقوبات الأمريكية إلى الأنشطة القضائية والإدارية للمحكمة.

وفي السياق ذاته، أعربت فرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان وهولندا وبريطانيا وكندا والدنمارك، في بيان مشترك، عن معارضتها الشديدة للعقوبات، محذرة من أن تقويض عمل المحكمة قد ينعكس سلباً على الجهود الدولية الرامية إلى محاسبة مرتكبي الجرائم الخطيرة وضمان حقوق الضحايا.

وتجد المحكمة الجنائية الدولية، التي تأسست سنة 2002، نفسها بذلك أمام اختبار جديد لاستقلاليتها وقدرتها على مواصلة أداء اختصاصاتها المتعلقة بجرائم الحرب والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، في ظل تصاعد الخلاف بين واشنطن وعدد من حلفائها بشأن حدود السيادة الوطنية ومدى صلاحيات القضاء الدولي.

ويعيد هذا التطور إلى الواجهة النقاش حول مستقبل العدالة الدولية، ومدى قدرة المؤسسات القضائية متعددة الأطراف على ممارسة اختصاصاتها في مواجهة الضغوط السياسية للقوى الكبرى، خصوصاً عندما تتعلق التحقيقات بملفات ذات حساسية جيوسياسية عالية.

ويكتسب هذا الجدل أهمية إضافية في ظل تزايد الدعوات الدولية إلى تعزيز المساءلة وعدم الإفلات من العقاب، وهي المبادئ التي تشكل أساس عمل المحكمة الجنائية الدولية منذ إنشائها.

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد