موند بريس / ذ. محمد أيت المودن
لم تعد تداعيات الحرب في الشرق الأوسط مقتصرة على الدول المنخرطة في المواجهة، بل بدأت تمتد إلى اقتصادات بعيدة عن مسرحها الجغرافي، من خلال ارتفاع أسعار المواد الأولية واضطراب سلاسل التوريد وتزايد تكاليف الطاقة والنقل. وفي المغرب، تكشف مؤشرات التجارة الخارجية وأداء عدد من القطاعات خلال سنة 2026 عن قنوات متعددة تنتقل عبرها هذه الضغوط إلى الاقتصاد الوطني، رغم تفاوت انعكاساتها من قطاع إلى آخر.
ويبرز قطاع الفوسفاط والأسمدة ضمن أكثر القطاعات ارتباطاً بهذه التحولات، إذ إن توفر المغرب على احتياطيات ضخمة من الفوسفاط لا يعفي صناعته من تقلبات الأسواق الدولية، بالنظر إلى اعتماد إنتاج الأسمدة على مواد أولية مستوردة، من بينها الكبريت والأمونيا، اللذان تتأثر أسعارهما بحركة التجارة العالمية والاضطرابات الجيوسياسية.
وتعكس النتائج المالية لمجموعة المكتب الشريف للفوسفاط خلال النصف الأول من السنة حجم الضغوط المسجلة، بعدما تراجع رقم معاملاتها بنسبة 7.3 في المائة ليستقر عند 48.4 مليار درهم، فيما انخفضت الأرباح التشغيلية قبل احتساب الفوائد والضرائب والاستهلاك والإطفاء بنسبة 28.5 في المائة.
وجاء هذا الأداء في سياق اتسم بارتفاع حاد في أسعار الكبريت، التي تضاعفت بنحو ثلاث مرات وفق المعطيات الواردة، مقابل زيادة محدودة نسبياً في أسعار الأسمدة الفوسفاطية، ما انعكس على هامش ربح المجموعة، الذي تراجع من 36 إلى 28 في المائة.
كما سجلت واردات المغرب من الكبريت الخام ارتفاعاً ملحوظاً، إذ بلغت 20.2 مليار درهم خلال الأشهر الثمانية الأولى من السنة، بزيادة قدرها 12.3 مليار درهم مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025، بالتزامن مع تراجع صادرات الأسمدة بنحو 8 في المائة.
وأمام هذه الضغوط، اتجهت المجموعة إلى تعزيز مخزوناتها وتنويع مصادر التوريد، إلى جانب رفع حصة إنتاج سماد الفوسفات الثلاثي الممتاز (TSP)، الذي يحتاج إلى كميات أقل من الكبريت ولا يعتمد على الأمونيا في عملية إنتاجه، فضلاً عن البحث عن أسواق جديدة لتأمين الإمدادات.
الطاقة.. قناة مباشرة لانتقال الصدمة الخارجية
إلى جانب الفوسفاط، تظل الطاقة من أبرز القنوات التي يمكن أن تنتقل عبرها تداعيات التوترات الإقليمية إلى الاقتصاد المغربي، بالنظر إلى اعتماد المملكة على الاستيراد لتغطية جزء كبير من احتياجاتها الطاقية.
وبحسب الأرقام الواردة في المعطيات المتاحة، بلغت الفاتورة الطاقية للمغرب 81.2 مليار درهم خلال الأشهر السبعة الأولى من سنة 2026، مسجلة ارتفاعاً بنسبة 29.1 في المائة على أساس سنوي، في فترة تأثرت فيها أسعار النفط بالتوترات الجيوسياسية وتعثر المسارات التفاوضية في الشرق الأوسط.
ولا يتوقف أثر ارتفاع أسعار الطاقة عند تكلفة الواردات، بل يمتد إلى النقل والإنتاج وتوزيع السلع، ما قد يرفع تكاليف عدد من الأنشطة الاقتصادية إذا استمرت الضغوط على الأسعار الدولية.
وتضاف إلى ذلك تكاليف مرتبطة باضطراب الملاحة البحرية، تشمل الشحن والتأمين واحتمالات تأخر وصول المواد الأولية والمنتجات المستوردة. ورغم عدم توفر أرقام رسمية تحدد بدقة حجم الأعباء التي يتحملها الاقتصاد المغربي بسبب هذه العوامل وحدها، فإنها تشكل عناصر إضافية ضمن التكلفة النهائية للتوريد.
العجز التجاري يتسع تحت ضغط الواردات
وتظهر مؤشرات التجارة الخارجية اتساع الفجوة بين الواردات والصادرات خلال الفترة المعنية. فقد ارتفعت واردات المغرب بنسبة 15.8 في المائة خلال الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2026، لتصل إلى 617.5 مليار درهم، مقابل نمو الصادرات بنسبة 8.7 في المائة إلى 334.9 مليار درهم.
ونتيجة لذلك، اتسع العجز التجاري بنسبة 25.4 في المائة، في تطور يعكس ارتفاع قيمة المشتريات الخارجية بوتيرة أسرع من نمو الصادرات.
ومع ذلك، لا يمكن عزو هذا التوسع بالكامل إلى الحرب في الشرق الأوسط، لأن التجارة الخارجية تتأثر أيضاً بعوامل أخرى، من بينها تطور الطلب الداخلي والخارجي، وأسعار السلع المتبادلة، وحاجيات القطاعات الإنتاجية. لكن ارتفاع تكلفة الطاقة وبعض المواد الأولية واضطراب الإمدادات يضيف ضغوطاً إلى الميزان التجاري.
قطاعات تحافظ على أدائها رغم الضغوط
في المقابل، لا تبدو آثار هذه التحولات متطابقة في مختلف مكونات الاقتصاد المغربي. فقد واصل القطاع السياحي تسجيل مؤشرات إيجابية، مع استقبال المملكة 14.1 مليون وافد خلال الأشهر الثمانية الأولى من السنة، بزيادة قدرها 4.5 في المائة، فيما بلغت إيرادات السفر 79 مليار درهم مع نهاية يوليوز.
وعلى مستوى الأسعار الداخلية، لم تُظهر المعطيات الواردة تسجيل موجة تضخمية شاملة خلال الفترة نفسها. فرغم ارتفاع أسعار المحروقات بنسبة 9.8 في المائة بين يوليوز وغشت، تراجع مؤشر الأسعار العام بنسبة 0.3 في المائة على أساس سنوي، بينما ظل التضخم الأساسي شبه مستقر.
وتشير هذه المؤشرات إلى أن انتقال آثار الحرب إلى الاقتصاد المغربي يظل متفاوتاً، إذ يتوقف حجمه على طبيعة ارتباط كل قطاع بالأسواق الخارجية، ومدى اعتماده على المواد الأولية المستوردة، وقدرته على امتصاص ارتفاع التكاليف أو تمريرها إلى الأسعار النهائية.
تنويع مصادر التوريد رهان يتجاوز الظرفية
تكشف هذه التطورات أن التحدي المطروح أمام الاقتصاد المغربي لا يقتصر على تدبير انعكاسات الأزمة الحالية، بل يمتد إلى مدى قدرته على تقليص تعرض القطاعات الاستراتيجية للصدمات الخارجية.
فارتفاع أسعار الكبريت والطاقة، إلى جانب اضطرابات النقل البحري، يبرز أهمية تنويع مصادر الاستيراد، وتعزيز المخزونات الاستراتيجية، وتحسين كفاءة استخدام المواد الأولية، والبحث عن بدائل إنتاجية تقلل الاعتماد على المدخلات الأكثر عرضة لتقلبات الأسواق الدولية.
وبينما يظل حجم التأثير المباشر للحرب على مختلف القطاعات بحاجة إلى تقييم دقيق يفصل بين العامل الجيوسياسي وبقية المؤثرات الاقتصادية، فإن المؤشرات المسجلة تضع مسألة الأمن الطاقي والصناعي ضمن الأولويات المطروحة.
وهكذا، لا تنتقل كلفة الحرب إلى المغرب عبر قناة واحدة أو في شكل صدمة موحدة، بل تتوزع بين فاتورة الطاقة، وأسعار المواد الأولية، وتكاليف النقل، وأداء الصادرات والميزان التجاري. وهو ما يعيد طرح سؤال استراتيجي حول قدرة المملكة على بناء اقتصاد أكثر مرونة أمام اضطرابات الأسواق العالمية، خصوصاً في القطاعات التي ترتبط قدرتها الإنتاجية بتأمين مستمر للمواد الأولية من الخارج.
قم بكتابة اول تعليق