موند بريس.
تحولت أزمة العبور الجماعي نحو مدينة سبتة المحتلة إلى محور نقاش داخل عدد من العواصم الأوروبية، بعدما دفعت التطورات الميدانية عدداً من المسؤولين إلى المطالبة بتشديد الإجراءات المتعلقة بحماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، فيما برزت دعوات سياسية لإعادة النظر في آليات التعاون داخل فضاء «شنغن»، وسط تأكيدات بأن أي إجراء من هذا النوع يظل رهيناً بالمساطر القانونية الأوروبية.
وشهد يوم الجمعة 31 يوليوز 2026 تصاعداً في المواقف الأوروبية تجاه الحكومة الإسبانية، بعدما دعت رئيسة الوزراء الدنماركية، مته فريدريكسن، إلى دراسة جميع الخيارات المتاحة للتعامل مع الأزمة، بما في ذلك بحث مستقبل التعاون مع إسبانيا في إطار فضاء «شنغن».
وقالت فريدريكسن، في تصريح نقلته وكالة الصحافة الفرنسية، إن الاتحاد الأوروبي مطالب بالتحرك السريع لمواجهة تداعيات الهجرة غير النظامية، معتبرة أن هذه الظاهرة تشكل تحدياً أمنياً للدول الأوروبية. كما أفادت تقارير إعلامية إسبانية بأنها أجرت مشاورات مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني بشأن مستجدات الوضع على الحدود الإسبانية.
وفي فنلندا، أعلنت وزيرة الداخلية ماري رانتانن تأييدها للموقف الإيطالي الداعي إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة تجاه إسبانيا، معتبرة أن حماية الحدود الخارجية تمثل أحد الالتزامات الأساسية للدول الأعضاء في فضاء «شنغن». كما عبرت وزيرة المالية ريكا بورا عن موقف مماثل، داعية إلى تعزيز الرقابة على الحدود والتصدي لتدفقات الهجرة غير النظامية.
في المقابل، تبنت الحكومة الفنلندية موقفاً أكثر تحفظاً، إذ أكد رئيس الوزراء بيتري أوربو تضامن بلاده مع إسبانيا، مشدداً على أن مواجهة هذه الأزمة تستوجب تعاوناً أوروبياً مشتركاً، مع الاستفادة من آليات الدعم التي يتيحها الاتحاد الأوروبي للدول الأعضاء عند تعرضها لضغوط على حدودها الخارجية.
من جهتها، أوضحت وزيرة الخارجية الفنلندية إلينا فالتونن أنها أجرت اتصالاً بنظيرها الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، مؤكدة دعم فنلندا للجهود الرامية إلى استعادة السيطرة على الوضع، مع التشديد على أهمية حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.
وكانت إيطاليا قد تصدرت المواقف الأوروبية المتشددة، بعدما أعلنت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني استعداد حكومتها لاتخاذ ما وصفته بـ”إجراءات استثنائية” لحماية الحدود الأوروبية، فيما انتقد وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني سياسة مدريد في مجال الهجرة، معتبراً أن بعض التدابير المتعلقة بتسوية أوضاع المهاجرين ساهمت، بحسب تقديره، في تشجيع شبكات تهريب البشر.
وردت الحكومة الإسبانية على هذه التصريحات باستدعاء السفير الإيطالي لدى مدريد، معربة عن رفضها لما وصفته بتصريحات غير الملائمة، ومؤكدة استمرار التنسيق مع الشركاء الأوروبيين لمعالجة تداعيات الأزمة.
ورغم تصاعد الخطاب السياسي، فإن الإطار القانوني الأوروبي لا يتيح لأي دولة عضو تعليق مشاركة إسبانيا في فضاء «شنغن» بشكل منفرد. وتسمح مدونة حدود «شنغن» بإعادة فرض رقابة مؤقتة على الحدود الداخلية في حالات استثنائية مرتبطة بتهديدات خطيرة للنظام العام أو الأمن الداخلي، غير أن هذه الإجراءات تخضع لشروط دقيقة وتستلزم احترام مبدأي الضرورة والتناسب، كما تتم وفق آليات مؤسسات الاتحاد الأوروبي.
وفي حال تسجيل اختلالات جسيمة ومستدامة في مراقبة الحدود الخارجية، يمكن لمجلس الاتحاد الأوروبي، بناء على توصية من المفوضية الأوروبية، أن يوصي بتدابير استثنائية تتعلق بإعادة الرقابة على بعض الحدود الداخلية، دون أن يعني ذلك تعليق عضوية الدولة المعنية في فضاء «شنغن».
ميدانياً، أعلنت وزارة الداخلية الإسبانية أن نحو 50 ألف شخص دخلوا مدينة سبتة منذ بداية موجة العبور، في حين رفع رئيس الحكومة المحلية خوان خيسوس فيفاس التقديرات إلى نحو 60 ألف شخص.
ووفق أحدث المعطيات التي أوردتها وكالة رويترز، عاد أكثر من 37 ألفاً و500 شخص إلى المغرب، معظمهم بشكل طوعي، بعد تعذر توفير ظروف الإقامة داخل المدينة.
كما أعلنت ممثلية الحكومة الإسبانية في سبتة انتشال 57 جثة في المنطقة الخاضعة للسلطات الإسبانية، مع استمرار عمليات البحث، ما يجعل الحصيلة مرشحة للارتفاع.
وفي موازاة ذلك، عززت مدريد انتشارها الأمني والعسكري على حدود المدينة، ونشرت وحدات إضافية من الجيش والحرس المدني، بالتزامن مع تسريع إجراءات إعادة المهاجرين غير النظاميين، في إطار التنسيق القائم مع السلطات المغربية.
وتعكس هذه التطورات انتقال أزمة سبتة من نطاقها الثنائي بين المغرب وإسبانيا إلى مستوى أوروبي أوسع، في ظل تزايد النقاش داخل الاتحاد بشأن سبل حماية حدوده الخارجية وآليات التعامل مع موجات الهجرة غير النظامية، مع استمرار التباين بين العواصم الأوروبية حول طبيعة الإجراءات الواجب اتخاذها.
قم بكتابة اول تعليق