موند بريس.
أعادت أزمة سبتة الأخيرة اسم عبد اللطيف حموشي، المدير العام للأمن الوطني ومدير المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، إلى واجهة النقاش الأمني والإعلامي، بعد الكشف في إسبانيا عن وثائق استخباراتية تتعلق بالتحركات الجماعية للمهاجرين التي شهدتها المدينة أواخر يوليوز الماضي.
وتفيد الوثائق التي رفعت عنها السرية السلطات الإسبانية بأن المركز الوطني للاستخبارات الإسباني CNI كان قد رصد دعوات وتحركات على شبكات التواصل الاجتماعي، وأبلغ السلطات الإسبانية ونظيرتها المغربية يوم 29 يوليوز، أي قبل يوم من التدفق الجماعي للمهاجرين إلى سبتة. وفي المقابل، أكدت الاستخبارات الإسبانية أنها لم تتمكن من توقع حجم وطبيعة ما حدث بالشكل الذي وقع به فعلياً.
حموشي في قلب نقاش أوسع
عودة اسم حموشي إلى النقاش لا ترتبط فقط بكونه المسؤول عن جهازي الأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني، وإنما أيضاً بطبيعة التعاون الأمني والاستخباراتي بين الرباط ومدريد، خصوصاً في ملفات الإرهاب والهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة العابرة للحدود.
وتشير المعطيات الإسبانية المنشورة إلى أن تحذيرات CNI وصلت إلى الجانب المغربي، وهو ما يعكس وجود قنوات اتصال مباشرة بين الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في البلدين. غير أن وصول المعلومة الاستخباراتية لا يعني بالضرورة أن الأجهزة المتلقية كانت تملك تقديراً كاملاً لحجم الخطر أو أنها كانت قادرة على منع التطورات اللاحقة.
وهنا تبرز إحدى أكثر النقاط حساسية في الملف: الفاصل بين توفر المعلومة وبين طريقة تقييمها واتخاذ القرار بناءً عليها وتنفيذ التدابير الميدانية.
ماذا تقول الوثائق الإسبانية؟
الوثائق التي نشرتها الحكومة الإسبانية لا تقدم رواية واحدة بشأن موقف المغرب. فبعض التقارير تحدثت عن غياب رد استباقي من السلطات المغربية خلال الساعات الأولى للأزمة، بينما خلص تقرير للاستخبارات العسكرية الإسبانية إلى أن من “المرجح جداً” أن السلطات المغربية لم تعمل بشكل نشط على دعم موجة الهجرة، مع حديث التقرير في الوقت نفسه عن سلوك وصفه بالسلبي أو المتهاون.
وفي المقابل، لا تثبت الوثائق المنشورة أن الرباط خططت بشكل مباشر للتدفق الجماعي أو أن العملية كانت بتنسيق من مسؤول أمني مغربي بعينه. كما أن الحكومة الإسبانية أكدت أنها لم تكن تتوفر على دليل يثبت وجود توجيه مغربي متعمد للأحداث.
وهذه النقطة مهمة في التعامل مع اسم حموشي، إذ إن بعض التحليلات والتصريحات الإعلامية الإسبانية ذهبت إلى اتهامه بشكل مباشر، لكن هذه الاتهامات تبقى مواقف وتحليلات صادرة عن أصحابها، وليست نتيجة مثبتة في الوثائق الرسمية المنشورة.
التعاون الأمني بين الرباط ومدريد
بصرف النظر عن الجدل المرتبط بأحداث سبتة، فإن التعاون الأمني المغربي الإسباني أصبح خلال السنوات الأخيرة أحد الملفات الأساسية في العلاقات بين البلدين، خاصة في مكافحة الإرهاب وشبكات الاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة.
ويأتي ذلك في سياق أمني حساس بحكم الموقع الجغرافي للمغرب وإسبانيا، حيث تشكل منطقة غرب المتوسط نقطة التقاء لمسارات الهجرة وشبكات الجريمة العابرة للحدود، ما يجعل تبادل المعلومات والتنسيق بين الأجهزة الأمنية عاملاً أساسياً في إدارة هذه الملفات.
ومن هذه الزاوية، فإن حضور اسم حموشي في النقاش الإسباني لا يرتبط فقط بأزمة سبتة، وإنما بالموقع الذي بات يحتله التعاون الأمني بين الرباط ومدريد في العلاقات الثنائية.
أسئلة ما زالت مفتوحة
وتطرح أزمة سبتة مجموعة من الأسئلة التي لا تجيب عنها الوثائق المنشورة بشكل كامل: كيف تم تقييم التحذيرات الاستخباراتية قبل الأحداث؟ وما الإجراءات التي اتخذت على الأرض بعد وصول المعلومات؟ وكيف انتقلت التقديرات من الأجهزة الاستخباراتية إلى الأجهزة المكلفة بالتدبير الميداني؟
كما يبقى من الصعب، استناداً إلى المعطيات المتاحة حالياً، اختزال المسؤولية عن أزمة بهذا الحجم في شخص واحد أو جهاز واحد، خصوصاً أن الوثائق الإسبانية نفسها تتحدث عن تعدد مستويات التقييم والقرار والتنسيق.
وهكذا، تعيد أزمة سبتة النقاش حول طبيعة الشراكة الأمنية بين المغرب وإسبانيا إلى الواجهة، لكنها في الوقت نفسه تبرز الحاجة إلى الفصل بين المعلومات الاستخباراتية الموثقة، والتقييمات الأمنية، والاتهامات السياسية أو الإعلامية.
وفي انتظار ظهور معطيات أو وثائق إضافية، يبقى المؤكد أن أجهزة البلدين كانت على اتصال بشأن مؤشرات التحركات قبل اندلاع الأزمة، بينما تظل كيفية التعامل مع تلك المعلومات وحجم المسؤوليات المرتبطة بها من أبرز الأسئلة التي لم تُحسم بشكل نهائي.
قم بكتابة اول تعليق