موند بريس :
نشأنا على الاعتقاد أن الماضي كان أفضل وأن الحاضر دائما أسوأ، وبناء على هذا الفهم يرتفع منسوب الحنين إلى الماضي كلما حل بنا مكروه، بدل أن نواجه الأمر الواقع.
ولتصحيح هذا الفهم الذي يكاد يتقاسمه الشباب والشيوخ، “المثقفون” و من هم “على قد الحال” لنقف وقفة تأمل دون إصدار اي أحكام..
في حديث نبوي صحيح رواه البخاري ومسلم قال النبي عليه السلام: خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء اقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته”.
وفسر المفسرون الحديث بأن قرون الصحابة والتابعين وتابعيهم هي أفضل القرون على الإطلاق.
وبناء على فهمنا الحالي، يفترض ان هذه القرون التي نعمت بالرضى الإلهي التام، أن تكون كلها خير، وأن لا يعم فيها وباء ولا مجاعة، بما أننا وحسب فهمنا استحققنا الوباء الذي حل بنا الان لأننا ابتعدنا عن الله.
لكن للأسف التاريخ العنيد يصدم فهمنا ويعكر صفوه..
فقد أخبرنا ابن كثير في كتابه “البداية والنهاية” في رواية عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك الذي ولد في العصر النبوي، أن مجاعة شديدة حلت بالمدينة وما حولها، و يعرفها المسلمون باسم عام الرمادة.
ويخبرنا المؤرخون والمفسرون ان الناس اضطروا في هذا العام ان يأكلوا الحشرات “فيحفرون نفق إلجرابيع والجرذان ليأكلوا ما فيها من حشرات”
وقالوا أصبحت الأرض سوداء كالرماد من قلة المطر، وتغيرت ألوان أجساد الناس، و”قل الطعام وجفت ينابيع الأرض وغارت مياه الآبار…”
ولم تكن المجاعة هي الكارثة الوحيدة التي حلت بمجتمع الصحابة والصالحين، ولكن الاوبئة أيضا فتكت بهم،. فحل وباء عمواس عام 18 بعد الهجرة، وطاعون الجارف عام 69 للهجرة، وطاعون الأشراف عام 87للهجرة، وطاعون مسلم بن قتيبة عام 131للهجرة…وتوالت المجاعات والطواعين في عصور الامويين والعباسيين و…. إلى ما قبل عقود قليلة من تاريخ أمتنا..
استنتج من مطالعة التاريخ، أن المجاعات والأوبئة و الكوارث الطبيعية لا علاقة لها بأفعال الناس، وأن الله ارحم بكثير من أن ينزل غضبه على الأطفال و المعاقين والضعفاء وكبار السن، لأن بعض الناس ارتكبوا المعاصي، وهو القائل “ولا تزر وازرة وزر أخرى”
وإذا كان الرسول عليه السلام رفض ان يعتقد الناس أن الكسوف الذي حدث يوم وفاة ابنه إبراهيم له علاقة به وقال “ان الشمس والقمر لا ينكسفان لموت احد ولا لحياته ولكنهما ايتان من آيات الله”، فكيف لا تكون سائر المخلوقات بما فيها الفيروسات من آيات الله، ولا شأن لها بموت أو حياة أحد، ولا بعبادة أحد من الناس..
عندما نغير هذا الفهم، سنتسابق إلى المختبرات والي البحث العلمي لفهم آيات الله، بدل أن نتسابق إلى الاعتصام في المساجد والبحث عن مجرمين مفترضين مسؤولين عن تفشي الوباء لنجلدهم علنا بعقابهم نوقف غضب الله…
منقول
قم بكتابة اول تعليق