عودة المحامين إلى المحاكم.. انتصار لصوت العقل وتغليب لمصلحة المواطن

موند بريس.

بعد أسابيع من التوتر والتصعيد، اختار المحامون العودة إلى قاعات المحاكم واستئناف العمل القضائي ابتداءً من الثلاثاء فاتح شتنبر، في خطوة تفتح الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها التهدئة والحوار، دون أن تعني بالضرورة نهاية الخلافات المهنية أو التخلي عن المطالب المرتبطة باستقلالية مهنة المحاماة.

وتحمل هذه العودة دلالة تتجاوز مجرد استئناف الجلسات والخدمات المهنية، لأنها تضع مصلحة المواطن والمرتفق في صدارة الأولويات، بعدما انعكست تداعيات الأزمة على عدد من المتقاضين الذين وجدوا أنفسهم أمام تأجيل ملفاتهم وتعطيل مصالحهم المرتبطة بمسار العدالة.

فالعودة إلى المحاكم لا ينبغي قراءتها بمنطق الهزيمة أو التراجع، وإنما باعتبارها قراراً مسؤولاً يضع مصلحة العدالة فوق الحسابات الضيقة، ويعيد المحامي إلى موقعه الطبيعي باعتباره شريكاً أساسياً في منظومة القضاء ومدافعاً عن حقوق المتقاضين.

وفي الأزمات المهنية والمؤسساتية، لا تقاس قوة المواقف دائماً بمدى قدرتها على التصعيد، بل بقدرة أصحابها على اختيار التوقيت المناسب للتهدئة وإعادة ترتيب الأولويات. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى قرار استئناف العمل باعتباره فرصة لإعادة بناء جسور الحوار بين مختلف الأطراف.

لقد تحمل المواطن، خلال فترة التوقف، جزءاً من كلفة الخلاف، سواء من خلال تأجيل الملفات أو تعطيل بعض الإجراءات أو زيادة الضغط على مصالح مرتبطة مباشرة بالمحاكم. ولذلك فإن استئناف العمل يمثل، قبل أي اعتبار آخر، استجابة لمعاناة المتقاضين وحقهم في الوصول إلى العدالة في ظروف طبيعية.

لكن العودة لا تعني أن الملفات المهنية المطروحة قد أغلقت، ولا أن الخلاف حول مستقبل المهنة واستقلاليتها قد انتهى. بل يمكن أن تشكل بداية لمسار جديد، يتم خلاله الدفاع عن المطالب عبر الحوار والمؤسسات والقنوات القانونية والمهنية المتاحة.

فمهنة المحاماة، بحكم موقعها داخل منظومة العدالة، تملك من الأدوات القانونية والمؤسساتية ما يسمح لها بالدفاع عن استقلاليتها وحقوقها بقوة الحجة ووحدة الصف، بعيداً عن منطق القطيعة أو تحويل الخلاف إلى مواجهة مفتوحة قد يدفع ثمنها المواطن قبل غيره.

وفي المقابل، فإن الحفاظ على هيبة المهنة واستقلال قرارها يظل مطلباً مشروعاً، كما أن حماية حق المواطن في محاكمة عادلة وفي الولوج إلى القضاء دون عراقيل مسؤولية مشتركة بين جميع مكونات العدالة.

ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تغليب لغة الحوار على منطق التصعيد، والبحث عن حلول عملية للخلافات العالقة، بما يحفظ للمحامي كرامته واستقلاليته، ويضمن في الوقت نفسه السير الطبيعي لمرفق العدالة.

لقد أثبتت التجربة أن الخلاف، مهما كان عميقاً، لا ينبغي أن يتحول إلى صراع مفتوح داخل البيت الوطني الواحد. فالاختلاف حول القوانين أو السياسات أو القرارات المهنية والمؤسساتية أمر طبيعي، لكن الحفاظ على المصلحة العامة يقتضي دائماً وجود نقطة يتوقف عندها التصعيد وتبدأ عندها لغة التفاهم.

وعليه، فإن عودة المحامين إلى المحاكم يمكن أن تكون أكثر من مجرد نهاية مؤقتة للتوقف؛ إنها فرصة لإطلاق مرحلة جديدة أكثر نضجاً، تُطرح فيها القضايا المهنية بجدية، وتُخاض فيها المعارك القانونية من داخل المؤسسات، مع جعل المواطن والعدالة في قلب أي تسوية أو تفاهم.

فالاختلاف لا يلغي الشراكة، والدفاع عن استقلال المهنة لا يتعارض مع خدمة المتقاضي، وانتصار المحامي الحقيقي يظل مرتبطاً بقدرته على حماية حقوقه دون أن يدفع المواطن ثمن ذلك.

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد