موند بريس.
أعاد مقال نشرته مجلة «فورين أفيرز» فتح النقاش داخل الولايات المتحدة حول جدوى استمرار الانخراط العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، بعدما خلص كاتبه مايكل فوكس إلى أن الحرب الأخيرة مع إيران كشفت، بحسب تقييمه، محدودية المقاربة القائمة على الانتشار العسكري الواسع، ودعا إلى إعادة صياغة الدور الأمريكي في المنطقة لصالح الدبلوماسية والترتيبات الأمنية الإقليمية.
ويرى فوكس، المدير في مؤسسة «أوبن سوسايتي»، أن الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى تمثل، وفق قراءته، إخفاقاً استراتيجياً ستكون له تداعيات تتجاوز نتائج المواجهة العسكرية المباشرة. ويشير إلى الخسائر البشرية والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، فضلاً عن التأثيرات التي طالت أسواق الطاقة وحركة الملاحة، خصوصاً مع التطورات المرتبطة بمضيق هرمز.
ولا يحصر الكاتب أسباب الأزمة في المواجهة الأخيرة، بل يربطها بمسار أوسع للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط خلال العقود الماضية. ويعتبر أن الانتشار العسكري الأمريكي لم يحقق، بحسب تقديره، مستوى الاستقرار الذي استندت إليه واشنطن لتبرير وجودها العسكري، بل أدى في حالات عدة إلى إبقاء الولايات المتحدة داخل دائرة صراعات وأزمات متكررة.
ويستحضر المقال الكلفة البشرية والمالية للحروب والتدخلات الأمريكية التي أعقبت هجمات 11 شتنبر، مشيراً إلى تقديرات تضع حجم الإنفاق على حروب أفغانستان والعراق وغيرها في حدود ثمانية تريليونات دولار، إلى جانب خسائر بشرية كبيرة في صفوف العسكريين والمتعاقدين الأمريكيين، فضلاً عن آثار الحروب على المجتمعات المحلية من قتلى ونازحين ودمار في عدد من دول المنطقة.
ويرى فوكس أن المواجهة مع إيران أظهرت أيضاً، من وجهة نظره، حدود قدرة الانتشار العسكري الأمريكي على توفير الحماية الكاملة للقوات والمنشآت التابعة لواشنطن أو لحلفائها في الخليج، بعدما تعرضت مواقع أمريكية في المنطقة لهجمات إيرانية.
وبناء على ذلك، يدعو الكاتب إلى الشروع في سحب القوات الأمريكية من الشرق الأوسط بعد التوصل إلى وقف إطلاق نار مستقر مع إيران، مع الحفاظ على أشكال محددة من التعاون الأمني مع دول المنطقة. ويقترح في المقابل توجيه جزء أكبر من الجهد الأمريكي نحو العمل الدبلوماسي والمساعدات الاقتصادية والإنسانية ودعم مبادرات أمنية تقودها دول المنطقة نفسها.
ولا يرى فوكس أن تقليص الوجود العسكري الأمريكي سيؤدي بالضرورة إلى تهديد أمن الطاقة أو منح إيران نفوذاً مطلقاً في المنطقة. ويشير إلى إمكانية تنويع طرق نقل النفط والغاز، وتشجيع دول الخليج على تطوير آليات مشتركة للأمن الإقليمي، مع استمرار واشنطن في تقديم الدعم الاقتصادي والدبلوماسي.
كما يقترح الإبقاء على التعاون في مجال مكافحة الإرهاب من خلال تبادل المعلومات الاستخباراتية والتكنولوجيا والتنسيق الأمني، بدلاً من الاعتماد على انتشار عسكري أمريكي واسع ومكلف.
ويضع المقال هذا الطرح ضمن رؤية أشمل للأولويات الاستراتيجية الأمريكية، إذ يرى فوكس أن استمرار التركيز العسكري على الشرق الأوسط يستهلك موارد واهتماماً يمكن توجيههما إلى ملفات أخرى تعتبرها واشنطن أكثر ارتباطاً بمصالحها طويلة الأمد، خصوصاً في آسيا وأوروبا.
ويشير الكاتب كذلك إلى ما يعتبره تغيراً في المزاج الشعبي داخل الولايات المتحدة تجاه الحروب الخارجية، ولا سيما بين فئات من الشباب، مع تزايد التساؤلات حول جدوى التدخلات العسكرية وتكاليفها السياسية والاقتصادية والبشرية.
وبذلك، يطرح مقال «فورين أفيرز» تصوراً يقوم على إعادة تعريف الدور الأمريكي في الشرق الأوسط، عبر الانتقال من سياسة الانتشار العسكري المباشر إلى الدبلوماسية ودعم الترتيبات الأمنية الإقليمية. وبينما يعكس هذا الطرح وجهة نظر الكاتب وتقييمه لتداعيات الحرب مع إيران، فإنه يعيد في الوقت نفسه إلى الواجهة جدلاً أوسع داخل الولايات المتحدة بشأن حدود القوة العسكرية الأمريكية، وكلفة استمرار الانخراط في أزمات الشرق الأوسط
قم بكتابة اول تعليق