الفراغ الذي يلي الصمود الطويل: حين يغيب المعنى بعد ان يتعب الجسد

موند بريس / بقلم: دة. سعاد السبع

ليس كل فراغ وليد خسارة، فأحيانا أكثر أشكال الفراغ قسوة هو ذاك الذي يظهر بعد النجاة، بعد أن ينجو الجسد، بعد أن تهدأ العاصفة، بعد أن تتوقف الحاجة اليومية إلى التماسك. وهناك في المساحة التي لا يملؤها الخطر ولا يبررها الألم تتقدّم حالة غريبة، هي إحساس بأن شيئا ما انسحب من الداخل دون أن يترك علامة واضحة.
هذا الفراغ لا يأتي صاخبا، ولا يتخذ شكل انهيار. هو هدوء ثقيل، فتور داخلي وتراجع خفي للرغبة. لا حزن صريح، ولا فرح ممكن. فقط شعور بأن الاستمرار فقد زخمه، وأن الحياة رغم استقرارها الظاهري لم تعد واضحة الاتجاه. وقد وصف فيكتور فرانكل هذه الحالة حين تحدث عن «الفراغ الوجودي» معتبرا أن الإنسان قد يتحمّل الألم طويلا، لكنه يتعثر حين يغيب المعنى الذي يجعل هذا التحمل قابلا للاحتمال.
أما الصمود الطويل فلا يدرّب النفس على الحياة، بل على البقاء. يعلّمها كيف تؤجّل الإحساس، كيف تُعلّق الأسئلة وكيف تُقصي الحاجة إلى الفهم من أجل الاستمرار. لكن في لحظات الخطر يصبح هذا التعليق ضرورة نفسية، غير أن ما يبدأ كآلية حماية يتحوّل مع الزمن إلى نمط عيش داخلي. وتشير جوديث هيرمان في تحليلاتها للصدمة الممتدة إلى أن النجاة طويلة الأمد تفرض على الفرد تعليق أجزاء من خبرته الشعورية حتى لا ينهار. غير أن هذه الأجزاء لا تختفي بل تنتظر لحظة الأمان لتعود مطالِبة بالاعتراف.
وحين ينتهي الخطر لا تعود النفس كما كانت قبل الصمود. تتراجع حالة الطوارئ لكن الجهاز النفسي لا يعرف بعد كيف يعيش خارجها. هنا يبدأ الفراغ ليس كغياب للأحداث، بل كغياب للبوصلة الداخلية. ويتساءل الفرد ما الذي يدفعنا الآن؟ ما الذي يمنح الأيام معناها؟ أسئلة لم يكن لها وقت في زمن الصمود بل تعود دفعة واحدة دون إجابات جاهزة.
من جانب المقاربة السوسيولوجية، لا يمكن فصل هذا الفراغ عن الثقافة التي تمجّد التحمّل. فالمجتمعات الحديثة تُكافئ القادرين على الصمود، وتحتفي بالمتماسكين، وتُعلي من شأن من «تجاوزوا المحنة». غير أن هذا الاحتفاء يخفي ثمنا نفسيا باهظا. ويرى زيغمونت باومان أن الفرد في المجتمعات المعاصرة يُطالَب بالقوة الفردية، بينما تُفكَّك الروابط الجماعية التي كانت تمنح للمعاناة معناها المشترك. هكذا يصبح الصمود إنجازا شخصيا لكن الفراغ الذي يليه عبئا فرديا صامتا.
في هذا السياق يتحوّل الصمود إلى واجب أخلاقي غير مُعلن، أن تصمد يعني أن لا تُربك الآخرين، أن لا تُظهر التصدّع، أن تؤدي دورك مهما كانت الكلفة الداخلية. ومع طول المدة يتماهى الفرد مع هذا الدور حتى يصبح التوقف عن الصمود أكثر إرباكا من الصمود نفسه. ويشير إرفينغ غوفمان إلى أن الأدوار الاجتماعية حين تُمارَس دون فواصل تلتهم المساحة الداخلية للفرد، وتحوّل الهوية إلى أداء دائم.
والفراغ الذي يلي الصمود لا يُشبه الاكتئاب في صوره السريرية المعروفة. هو أقرب إلى إنهاك المعنى. هي حالة يشعر فيها الإنسان أنه فعل كل ما كان مطلوبا منه دون أن يعرف ماذا يُفترض أن يشعر بعد ذلك. وقد سبق وتحدث ألبير كامو عن لحظة يكتشف فيها الإنسان عبث الاستمرار حين يغيب السؤال المؤسِّس الذي كان يمنح الحياة اتجاهها. فليس هناك مأساة واضحة بل شعور صامت بأن الاستمرار لم يعد يحمل وعدا.
وتزداد حدة هذا الفراغ لدى من عاشوا الصمود بوصفه هوية، كالمُعيل الدائم، والقوي الذي لا يتعب، والمسؤول الذي لا يتراجع… وكلما طال التماهي مع الدور تقلّصت المساحة التي يمكن للذات أن تظهر فيها خارج الوظيفة. ويشرح دونالد وينيكوت كيف تتكوّن «الذات الزائفة» حين يُضطر الفرد إلى التكيّف المفرط مع متطلبات الخارج على حساب الاتصال بذاته الحقيقية. وما بعد الصمود في كثير من الحالات هو لحظة تصدّع هذه الذات الوظيفية، وظهور فراغ لم يكن مسموحا له سابقا بالوجود.
كثيرون يسيئون فهم هذا الفراغ فيتعاملون معه كعلامة خلل يجب التخلص منها بسرعة. حيث يُملأ بالانشغال، بالعمل، بالإنجاز، أو حتى بإعادة إنتاج معركة جديدة. غير أن هذا الهروب لا يُنهي الفراغ بل يؤجّله. ويرى رولو ماي أن الفراغ يحمل وظيفة وجودية أساسية: إنه المساحة التي يُعاد فيها التفاوض مع المعنى، و أن محاولة إسكاته تحرم النفس من فرصة إعادة البناء، وتُبقيها أسيرة منطق الاحتمال فقط.
لكن التعافي بعد الصمود لا يبدأ باستعادة القوة بل بالاعتراف بالتعب، بالسماح للذات أن تشعر، أن تتيه مؤقتا وأن تُنصت للأسئلة التي أُجّلت طويلا. فالمعنى لا يُفرض، ولا يُستعاد بإرادة قسرية، بل يُبنى ببطء من خلال علاقة جديدة مع الذات أقل قسوة وأكثر صدقا.
وختاما فالصمود أنقذ الكثيرين من السقوط، لكنه لم يُعلّمهم بالضرورة كيف يعيشون بعد النجاة. الفراغ الذي يليه ليس ضعفا متأخرا، ولا علامة فشل خفي، بل أثر إنساني طبيعي للبقاء الطويل في وضعية الطوارئ. لحظة يتوقف فيها الجسد عن القتال، وتطالب النفس بحقها في أن تُرى، لا كقصة نجاح، بل كذات تبحث من جديد عن معنى يستحق أن يُعاش.

 

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد