موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع
في الخطاب الاجتماعي اليومي يُستدعى الصبر بوصفه الملاذ الأخير أمام التعب، وأحيانا بوصفه الفضيلة الأولى التي يُقاس بها نضج الإنسان. تُقال العبارة بنبرة هادئة: اصبر… وكأنها وصفة جاهزة، صالحة لكل سياق، لكل وجع ولكل اختلال. ومع التكرار يتجاوز الصبر معناه الإنساني البسيط ليصبح قاعدة غير مكتوبة لتنظيم العلاقة بين الفرد والمجتمع، بين المعاناة وما يُنتظر من صاحبها.
وشيئا فشيئا يتعلّم الإنسان أن الاحتمال قيمة أعلى من السؤال، وأن الصمت أضمن من التعبير، وأن التكيّف دليل حكمة. هكذا يُربّى المجتمع على قبول الإنهاك بوصفه مسارا طبيعيا للحياة… ويُعاد تعريف الألم باعتباره مرحلة عابرة حتى حين يطول ويستقر.
فمن منظور سوسيولوجي لا يمكن فصل تمجيد الصبر عن منطق تدبير التوازنات داخل المجتمع. فالقيم لا تُنتج في فراغ، بل تُصاغ داخل علاقات قوة دقيقة، وتُغرس في التنشئة والتعليم والخطاب الديني واللغة اليومية. حين تُكرَّس قيمة الصبر بهذا الشكل فإنها تؤدي وظيفة تنظيمية هادئة كتخفيف التوتر الاجتماعي، احتواء الغضب وإعادة توجيه الضغط من البُنى إلى الأفراد.
و قد تحدث بيير بورديو عن العنف الرمزي بوصفه ذلك الشكل من السيطرة الذي لا يُمارَس بالقهر المباشر، بل عبر جعل القيم السائدة تبدو طبيعية، بديهية، وأخلاقية. في هذا الإطار يتحوّل الصبر إلى أداة ضبط ناعمة… يُطلب من العامل أن يحتمل ضغط العمل، ومن المرأة أن تحتمل اختلال العلاقة، ومن الشاب أن يحتمل انسداد الأفق، ومن الفئات الهشة أن تحتمل الهشاشة نفسها دون أن يتحوّل هذا الاحتمال إلى سؤال جماعي حول الأسباب.
ونجد أن ثقافة “تحمّل أكثر” تشتغل داخل منطق اجتماعي يعيد توزيع المعاناة بدل تفكيكها. زيغمونت باومان أشار إلى أن المجتمعات المعاصرة تميل إلى تحميل الأفراد مسؤولية التكيف مع أوضاع غير مستقرة حيث يصبح الصمود مهارة شخصية لا نتيجة شروط عادلة. هكذا يُعاد تعريف المعاناة باعتبارها تجربة فردية ويُعاد تعريف الفشل باعتباره نقصا في المرونة… بينما تتوارى الأسئلة المتعلقة بالسياسات، والتنظيم، والحماية الاجتماعية.
ويتعزز هذا الخطاب حين يتقاطع مع النوع الاجتماعي. فالصبر يُغرس مبكرا في مسار التنشئة، ويُربط بأدوار محددة، ويُستدعى بكثافة في الخطاب الموجَّه للنساء. حيث تُربّى الفتاة على الاحتمال باسم الحكمة، وتُطالَب بالتماسك باسم الأسرة، ويُعاد تأويل التعب بوصفه حساسية زائدة. وقد نبّهت أودري لورد إلى أن هذا الصمت المفروض لا يحمي بل يستنزف… لأنه يحوّل المعاناة إلى تجربة فردية معزولة، ويمنع تشكّل لغة مشتركة للاحتجاج.
وعلى المستوى السوسيونفسي لا يبقى هذا الخطاب خارجيا، بل يُستدمج تدريجيا داخل البناء النفسي للفرد. ومع مرور الوقت يتعلّم الإنسان أن يراقب نفسه، أن يقيس ردود أفعاله، أن يكبح التعب قبل أن يظهر… وأن يشعر بالذنب حين يفكر في التوقف. فالصبر هنا لا يعود خيارا بل معيارا داخليا للحكم على الذات.
وقد شدّد فيكتور فرانكل على أن المعنى قادر على دعم الإنسان حين يكون مرتبطا بالاختيار وبأفق واضح. أما حين تتحوّل المعاناة إلى واجب أخلاقي مفتوح فإن الطاقة النفسية تُستنزف في الاحتمال وحده. ويظهر ذلك في أشكال نفسية صامتة: احتراق مهني غير معترف به، قلق مزمن بلا سبب واضح، تبلّد عاطفي يُفسَّر على أنه نضج، وابتسامة اجتماعية تُخفي إرهاقا عميقا…
إميل دوركايم ربط بين اختلال المعايير الاجتماعية وحالات التفكك النفسي حيث يفقد الأفراد القدرة على التمييز بين ما يمكن احتماله صحيا، وما يُفرض عليهم بحكم الأعراف والتوقعات. في هذا الفراغ يتآكل الإحساس بالحدود، ويصبح التعب حالة دائمة غير قابلة للتسمية.
كما تعمل ثقافة تمجيد الصبر على تحييد الغضب، وتجريده من معناه الاجتماعي. وقد أوضح ميشيل فوكو أن أكثر أشكال السلطة رسوخا هي تلك التي تجعل الأفراد يضبطون أنفسهم بأنفسهم. وحين يتحوّل الصبر إلى قيمة معيارية صارمة يُعاد توجيه الألم نحو الداخل، ويتحوّل الاحتجاج إلى صراع نفسي لا إلى خطاب جماعي قادر على التحويل.
و من هذا كله فإعادة التفكير في الصبر تفتح المجال لاستعادة المعنى الإنساني للقيم. فالقيمة التي لا ترتبط بالكرامة ولا تُجاور العدالة، تتحوّل إلى عبء. نجد أن بول ريكور رأى أن الأخلاق لا تنفصل عن السياق، وأن القيم حين تُنتزع من بعدها التأويلي تصبح قابلة للتوظيف ضد الإنسان… حتى وإن قُدّمت بلغة الحكمة.
وفي زمن تتزايد فيه الضغوط، ويتراجع فيه الأمان النفسي يصبح تفكيك خطاب تمجيد الاحتمال ضرورة فكرية. فالمجتمع الذي يعلّم أفراده كيف يصبرون طويلا دون أن يراجع شروط العيش والعمل والعلاقات لا يصنع فضيلة… بل يراكم إنهاكا جماعيا يُدار بلغة ناعمة. يقول ألبير كامو: حين تُستخدم القيم لتبرير العبث، تفقد قدرتها على إنقاذ الإنسان…
قم بكتابة اول تعليق