موند بريس / بقلم: د. سعاد السبع
في كل بيت تنبض تفاصيل صغيرة لا تُقال، لكنها تصنع الفرق بين بيت يضج بالحياة وآخر يختنق بالصمت. نظرة مطمئنة، ابتسامة عابرة أو يد تُربت في اللحظة المناسبة… تلك إشارات لا تصدر عن الكلام، بل عن إحساس خالص يُدرك ما وراء الوجوه. هنا يسكن ما يُعرف بالذكاء العاطفي: تلك القدرة النادرة على الإصغاء لما لا يُقال، على التقاط المشاعر في ملامحها الأولى قبل أن تتحول إلى جفاء أو خصام.
الأسرة بحكم قربها وتكرار التفاعل اليومي بين أفرادها هي المسرح الأوضح لاختبار هذا الوعي العاطفي. فالعلاقة بين الأزواج أو بين الآباء والأبناء لا تُقاس بما يُقال على المائدة أو في لحظات الصفاء، بل بما يحدث حين يسود سوء الفهم. وكثير من العلاقات لا تنهار لغياب الحب، بل لأن أطرافها لم يتقنوا لغته. الحب وحده لا يكفي ما لم يُترجم إلى فهم، وإلى قدرة على قراءة ما يخفيه الآخر خلف كلماته.
يقول عالم النفس دانييل جولمان صاحب نظرية الذكاء العاطفي إنّ “النجاح في العلاقات لا تحدده درجة الذكاء العقلي بقدر ما تحدده القدرة على إدارة العواطف وفهمها”. هذه القدرة هي ما يجعل الأب يدرك أنّ غضب ابنه قناع يخفي خوفا، ويجعل الأم تميّز بين عناد الطفلة واحتياجها إلى الاحتواء. حين نحسن الإصغاء إلى ما تحت الانفعال نصبح أكثر إنصافا وأكثر رحمة.
الذكاء العاطفيولا يعد صفة فطرية خالصة، وإنما هو مهارة تُكتسب بالممارسة والوعي. يبدأ من معرفة الذات لأن من لا يفهم مشاعره لا يستطيع أن يفهم مشاعر غيره. ففي لحظة الغضب مثلا لا يحتاج البيت إلى مزيد من الأصوات المرتفعة، بل إلى قلب هادئ يعرف متى يصمت ليحمي العلاقة من الانكسار. وكما يقول إريك فروم: أن تحب يعني أن تدرك، أن تفهم، أن تُصغي. فالحب بلا وعي عاطفي يتحول إلى مطالبة متبادلة لا تنتهي.
والبيوت التي يسكنها هذا الوعي تُدير خلافاتها بنضج لأن أفرادها لا يتنافسون على الانتصار، بل على الفهم. فيها يتحول الحوار إلى علاج، والاختلاف إلى مساحة للتقارب. الكلمات فيها أقل، لكنها أصدق. لا يحتاج الأب لأن يصرّح دوما بمحبته، لأن حضوره الدافئ أبلغ من أي تصريح، ولا تحتاج الأم إلى كثير من الشرح لتُفهم فملامحها تترجمها.
وحين يغيب هذا الحسّ يتراجع الدفء الإنساني لصالح لغة باردة لا تحتمل التفاصيل. تصبح الجمل قصيرة، والنظرات غائمة، ويغدو الصمت جدارا بين القلوب. في تلك البيوت لا يرحل الحب فجأة، بل يذبل ببطء تحت وطأة سوء الفهم، لأن أحدا لم يتعلم أن يسمع الآخر حقا.
الذكاء العاطفي لا يعني التنازل بل الوعي بالمكان الصحيح لكل كلمة وموقف. هو أن نعرف متى نتكلم، ومتى نُصغي، ومتى يكون الصمت أبلغ. أن نضع الشعور في خدمة العلاقة لا في خدمة الأنا. إنه توازن دقيق بين العقل الذي يُدرك والقلب الذي يشعر، بين المنطق الذي يزن والمودة التي تلطف.
وغرس هذا الوعي في الأبناء منذ الطفولة هو أعظم استثمار عاطفي يمكن للأسرة أن تقدّمه للمجتمع. فالطفل الذي يُسمح له بالبكاء دون سخرية، ويُشجَّع على التعبير عن مشاعره دون خوف، سيكبر أكثر اتزانا، وأكثر قدرة على إقامة علاقات صحية. أما الذي يُكبت إحساسه باكرا فسيحمل لاحقا جرحا صامتا يظهر في صورة عدوان أو انسحاب أو عجز عن الحب.
من الأسرة إلى المجتمع: قراءة سوسيونفسية
حين تُهمل الأسر تنمية الذكاء العاطفي ينعكس ذلك على بنية المجتمع بأكمله. تتراجع القدرة على الحوار، وتُستبدل لغة الفهم بلغة الصدام. الطفل الذي لم يُفهم في بيته يصبح راشدا لا يفهم الآخرين، فيعيد إنتاج أنماط الجفاء نفسها في عمله وزواجه وصداقاته. في المقابل المجتمع الذي يحتفي بالوعي العاطفي يزرع بذور التوازن النفسي في أفراده، ويخفف من معدلات العنف اللفظي والوجداني لأن كل علاقة فيه تُدار بشيء من الإدراك، لا بالانفعال.
الذكاء العاطفي ليس رفاهية عاطفية، بل ضرورة اجتماعية. إنه ما يجعل الأسرة خلية ناضجة لا مجرد وحدة بيولوجية، وما يجعل الحوار قيمة لا مجرّد وسيلة. حين يتعلم الإنسان أن يفهم قبل أن يُحاكم، وأن يُصغي قبل أن يرد، يصبح كل بيت مدرسة صغيرة لتربية القلب والعقل معا.
ففي النهاية لا تحتاج العلاقات الأسرية إلى كثير من الخطابة بل إلى قدر من الإنصات. يكفي أحيانا أن تلتقي النظرات، أو أن تُمدّ اليد في لحظة ضعف، ليتحدث الحب بأجمل لغاته تلك التي تُفهم بلا كلمات.
قم بكتابة اول تعليق