موند بريسس / ذ. عبد الله بوحنش
توحيد النص لا يعفي من مسؤولية الأداء
تبنّت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية خطة «تسديد التبليغ»، وكان من بين مرتكزاتها توحيد خطبة الجمعة. ولن أخوض هنا في مضمون هذا التوجه، ولا في جدوى توحيد الخطبة أو حدود أثره؛ فذلك نقاش آخر، مادام التوحيد قد أصبح واقعًا قائمًا. لكن ثمة سؤالًا لا ينبغي أن يغيب وسط هذا النقاش: ما قيمة خطبة جيدة في مضمونها، إذا كان إلقاؤها ينفّر المستمع منها، ويقتل فيه الرغبة في الإنصات إليها؟
المشكلة التي تستحق التنبيه ليست دائمًا في النص، بل أحيانًا في الطريقة التي يُقدَّم بها هذا النص إلى الناس.
تجلس في المسجد يوم الجمعة، وتنصت إلى خطيب يتناول موضوعًا مهمًّا، ويعالج قضية تمس حياة الناس، ويستند إلى معانٍ دينية وتربوية جديرة بالتأمل. تتوقع أن يشدك الموضوع، وأن يستثير فيك الإحساس، وأن يدفعك إلى مراجعة بعض أفكارك وسلوكياتك. لكنك تفاجأ بخطابة رتيبة، ونبرة واحدة تكاد لا تتغير، وقراءة ثقيلة، وإلقاء بارد، كأن الخطيب يؤدي واجبًا إداريًّا يريد التخلص منه، لا رسالة يريد أن تصل إلى القلوب والعقول.
تخرج من الخطبة، وقد تكون مقتنعًا بأهمية موضوعها، لكنك بالكاد تتذكر شيئًا من تفاصيلها. ليس لأن الموضوع ضعيف، ولا لأن المعاني تفتقر إلى الوجاهة، بل لأن طريقة تقديمها لم تساعدك على التفاعل معها.
وهنا مكمن الخلل!
فالخطبة ليست نصًّا يُقرأ فحسب، وإنما رسالة تُبلَّغ، والتبليغ لا يكتمل بمجرد النطق بالكلمات، بل يحتاج إلى حسن أدائها وإيصال معانيها والتأثير في المتلقين.
إن مهارات الإلقاء ليست زينة إضافية يمكن الاستغناء عنها، ولا ترفًا يخص الخطباء الذين يريدون التميز على غيرهم. إنها جزء أساسي من كفايات الخطيب: وضوح الصوت، وسلامة النطق، وضبط السرعة، وتنويع النبرة، والوقوف في مواضعها، وإبراز الكلمات المفتاحية، واستحضار المعنى، ومراعاة طبيعة الجمهور، والقدرة على شد انتباه المستمع من بداية الخطبة إلى نهايتها.
فليس المطلوب من الإمام أن يتحول إلى ممثل على المنبر، ولا أن يتكلف الانفعال، ولا أن يبالغ في رفع صوته وخفضه حتى يبدو مؤثرًا. المطلوب أن يحسن أداء رسالته، وأن يمنح الكلمات ما تستحقه من عناية، وأن يجعل صوته خادمًا للمعنى، لا حاجزًا يحول بين المعنى والمستمع.
والأدهى من ذلك أن بعض الخطباء يتعاملون مع الخطبة الموحدة وكأنها نص غريب عنهم، لا يعنيهم منه سوى قراءته وإتمامه. وقد يكون هذا أحد أسباب البرود الذي نلمسه في أدائهم؛ فالخطيب الذي لم يشارك في إعداد النص قد يشعر بأنه يؤدي كلامًا كتبه غيره، فيكتفي بقراءته دون أن يبذل جهدًا كافيًا لاستيعاب بنائه، وفهم انتقالاته، واستحضار مقاصده، والاستعداد لإلقائه.
لكن هل يُعقل أن يصبح عدم إعداد الخطبة مبررًا لعدم الاستعداد لها؟
إذا لم يكن الإمام هو من كتب الخطبة، فذلك لا يعفيه من مسؤولية فهمها وحسن أدائها. بل لعل الخطبة الموحدة تفرض عليه مسؤولية إضافية، تتمثل في قراءتها مسبقًا، واستيعاب أفكارها، وتحديد مواضع التأكيد والانتقال، والتدرب على إلقائها بما يضمن وصول رسالتها إلى المصلين.
فالفرق شاسع بين من يقرأ نصًّا، ومن يتبنى معناه ويبلّغ رسالته.
ولعل من أكثر ما يكشف أثر الأداء في المتلقي أن تستمع إلى الخطبة نفسها بأداء إمامين مختلفين؛ أحدهما في المسجد، والآخر في تسجيل صوتي. قد يبدو لك، من شدة التباين في طريقة الإلقاء، أنك تستمع إلى خطبتين مختلفتين، رغم أن النص واحد. هنا تتضح الحقيقة التي لا ينبغي تجاهلها: توحيد الكلمات لا يعني توحيد أثرها، وجودة النص لا تضمن وحدها جودة التبليغ.
إن النبرة، والإيقاع، والوقف، والتوكيد، وحيوية الصوت، كلها عناصر تسهم في تشكيل تجربة الاستماع، وتؤثر في قدرة المتلقي على متابعة الأفكار واستيعابها. وقد ينجح أداء واعٍ في إحياء نص جامد في نظر المستمع، بينما يجعل الأداء الآلي نصًّا ثريًّا ثقيلًا على الأسماع.
ولذلك، فإن الاكتفاء بتوحيد الخطبة دون الاهتمام بكيفية إلقائها يترك جانبًا مهمًّا من عملية التبليغ خارج دائرة العناية.
وإذا كانت خطة «تسديد التبليغ» تستهدف الارتقاء بأداء الرسالة الدينية، فإن العناية ينبغي ألا تقف عند إعداد النص ومراجعته وتوحيد مضامينه، بل يجب أن تمتد إلى تأهيل من يتولون تبليغه، وتمكينهم من أدوات الأداء المؤثر، وتقويم الممارسة الفعلية على المنابر.
فلا يعقل أن نستثمر الجهد في إعداد خطاب جيد، ثم نترك طريقة تقديمه للارتجال أو العادة أو الاستسهال!
إن الخطيب لا يخاطب جدران المسجد، ولا يقرأ على جهاز تسجيل؛ إنه يخاطب بشرًا تتفاوت مستويات انتباههم، وتتزاحم في أذهانهم المشاغل، ويحتاجون إلى من يساعدهم على الإنصات والفهم والتفاعل. وليس من الإنصاف أن نطالبهم بالتركيز، ثم نقدم إليهم خطابًا رتيبًا لا يبذل صاحبه جهدًا ظاهرًا لاستمالة انتباههم.
صحيح أن المستمع مسؤول عن حسن الإنصات، لكن الخطيب مسؤول أيضًا عن حسن الأداء. ولا يجوز أن نجعل مسؤولية أحدهما ذريعة لإعفاء الآخر من واجبه.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس الإساءة إلى الأئمة أو الانتقاص من مكانتهم، بل مصارحتهم بحقيقة مهنية ينبغي أن تكون واضحة: الوقوف على المنبر مسؤولية، وحمل النص إلى الناس أمانة، وإتقان الإلقاء جزء من الوفاء بهذه الأمانة.
ولا ينبغي أن يُفهم هذا النقد على أنه حكم على الجميع؛ فهناك أئمة يحسنون الأداء، ويجتهدون في تبليغ الرسالة، ويمنحون الخطبة ما تستحقه من عناية. لكن وجود هذه النماذج لا يلغي الحاجة إلى معالجة مظاهر الرتابة والبرود التي يلاحظها بعض المصلين في أداء غيرهم.
إننا لا نطالب كل إمام بأن يكون خطيبًا مفوّهًا بالفطرة، فالإلقاء مهارة تُكتسب بالتدريب والممارسة والتقويم. لكننا نطالبه بألا يتعامل معها وكأنها أمر لا يعنيه، وبألا يجعل اعتياده على المنبر مبررًا للاستسلام للأداء نفسه، جمعة بعد أخرى، مهما كان أثره في المستمعين.
كما نطالب الجهات المعنية بأن تجعل التدريب على مهارات الإلقاء والتواصل الشفهي جزءًا من التأهيل المستمر للأئمة، وأن تتيح لهم نماذج تطبيقية وتكوينات عملية، لا تكتفي بالتوجيهات النظرية. فالمهارة لا تُكتسب بمجرد الحديث عنها، بل بالممارسة والتغذية الراجعة وتصحيح الأخطاء.
إن توحيد الخطبة قد يوحّد النص، لكنه لا يستطيع أن يوحّد الحضور، ولا حرارة الأداء، ولا قدرة الخطيب على استمالة القلوب والعقول.
والمنبر الذي يُراد له أن يكون منبر هداية وتوجيه وإصلاح لا يكفيه خطاب صحيح في مضمونه؛ إنه يحتاج أيضًا إلى أداء يحترم عقول المستمعين، ويقدّر قيمة الوقت الذي يخصصونه للإنصات، ويمنح المعاني فرصة حقيقية للوصول إليهم.
فكفى استسهالًا للإلقاء، وكفى اختزالًا للخطبة في قراءة واجبة الأداء!
ليس المطلوب أن يقرأ الإمام الخطبة حتى تنتهي، بل أن يُحسن تبليغها حتى تصل.
قم بكتابة اول تعليق