مشروع قانون المالية 2027: بين الالتزامات الاجتماعية والرهان على نموذج تنموي أكثر توازنا

قدّم وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، فوزي لقجع، مشروع قانون المالية لسنة 2027، باعتباره المرحلة الأولى لتنزيل البرنامج الحكومي على مدى خمس سنوات، معتبراً أن المرحلة المقبلة تستهدف إعادة التوازن بين متطلبات النمو الاقتصادي وانتظارات المواطنين الاجتماعية، بالتوازي مع تثمين المكتسبات الدبلوماسية للمغرب في قضية الصحراء المغربية.

وأكد الوزير أن تقييم وفاء الحكومة بالتزاماتها الانتخابية يتطلب نقاشاً موضوعياً لمضامين القانون وإجراءاته، بعيداً عن الأحكام المسبقة والانتقادات المتسرعة، مشيراً إلى أن السنة المالية المقبلة تشكل بداية لمسار حكومي تتجسد أهدافه تدريجياً في سياسات عمومية قابلة للتنفيذ والتقييم.

مرجعية الملكية والعدالة الاجتماعية

استحضر فوزي لقجع التوجيهات الملكية الواردة في خطاب افتتاح السنة التشريعية، التي دعت إلى جعل الولاية الجديدة منعطفاً حقيقياً لمواصلة بناء المغرب باعتباره قوة اقتصادية صاعدة وموثوقة، مع الحرص على تحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية وترسيخ العدالة الاجتماعية والمجالية.

وربط الوزير هذا التوجه بضرورة تجاوز الاختلالات التي عرفتها المرحلة السابقة، موضحاً أن الخطاب المتعلق ببناء الدولة الاجتماعية لم يواكبه، في بعض الجوانب، تحسن يتناسب مع حجم انتظارات المواطنين، وهو ما يستدعي إعادة النظر في العلاقة بين السياسات الاقتصادية والاجتماعية بدل التعامل معهما كمسارين منفصلين.

وانتقد الوزير ما وصفه بتغليب منطق السوق على الاعتبارات الاجتماعية، معتبراً أن الفصل بين سياسات تحسين ظروف العيش والاختيارات الاقتصادية أفسح المجال لاتساع مظاهر الاحتكار والريع والوساطة الطفيلية وثقافة الربح السريع، مستحضراً مفهومي الرأسمالية المتوحشة والنيوليبرالية لتوصيف المخاطر المرتبطة بإعطاء الأولوية للمصالح السوقية على حساب العدالة الاجتماعية.

رد على الانتقادات المعارضة

وفي رده على الانتقادات الموجهة إلى الحكومة بشأن التزاماتها الانتخابية، أشار فوزي لقجع إلى أن الانتخابات أفرزت تنافساً بين برامج متعددة، معتبراً أن نتائجها عكست تقدماً للمضامين الاجتماعية القائمة على التزامات وصفها بالواضحة والقابلة للتنفيذ.

وشدد على أن الحكومة تستند إلى أرضية سياسية واجتماعية مشتركة بين مكوناتها، وإلى مرجعيات ديمقراطية وتحديثية، فضلاً عن التوجيهات الملكية والبرنامج الحكومي، داعياً إلى اعتماد معارضة مسؤولة تستند إلى النقاش الموضوعي وتحترم ذكاء المواطنين، دون إلغاء أهمية الاختلاف السياسي في البناء الديمقراطي.

حزمة تدابير لتحسين القدرة الشرائية

كشف الوزير عن حزمة تدابير تستهدف تحسين القدرة الشرائية للأسر وتوسيع الحماية الاجتماعية، تشمل رفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 1700 درهم خلال سنة 2027، ومضاعفة معاشات الأرامل، وتحمل الدولة فواتير الكهرباء التي لا تتجاوز قيمتها 100 درهم، إلى جانب الرفع التدريجي للدعم الاجتماعي المباشر ليصل إلى 1000 درهم في أفق سنة 2031.

وأوضح أن الحد الأدنى للمعاشات، الذي يبلغ حالياً نحو 1000 درهم، سيرتفع إلى 1700 درهم، في إجراء يُرتقب أن يستفيد منه حوالي 500 ألف متقاعد، من بينهم أكثر من 150 ألف أرملة، بهدف تحسين الموارد المالية للمتقاعدين ومساعدتهم على مواجهة تكاليف المعيشة.

وأضاف أن الحكومة تعتزم رفع نسبة معاش الأرامل من 50 في المائة إلى 100 في المائة، بما يتيح لنحو 401 ألف أرملة الاستفادة من هذا الإجراء، وقدر الكلفة الإجمالية للتدابير المتعلقة بالتقاعد والمعاشات بحوالي 10 مليارات درهم.

تخفيف أعباء الكهرباء والدعم المباشر

في ما يتعلق بنفقات الطاقة، أعلن الوزير أن الدولة ستتحمل فواتير الكهرباء التي لا تتجاوز 100 درهم لفائدة نحو ستة ملايين زبون، أي ما يعادل 60 في المائة من مجموع الزبناء المعنيين، بكلفة تقدر بملياري درهم، على أن يدخل الإجراء حيز التنفيذ ابتداءً من فاتح يناير.

وبخصوص الدعم الاجتماعي المباشر، أعلن عن الشروع في الرفع التدريجي للمبالغ المخصصة للأسر المستفيدة ابتداءً من يناير، مع تحديد مبلغ 600 درهم ضمن المرحلة المعلنة، وصولاً بصورة تدريجية إلى 1000 درهم في أفق سنة 2031، مشدداً على أن الدعم لا ينبغي اختزاله في تحويلات مالية بل يتعين التعامل معه باعتباره حقاً للأسر المستحقة وآلية لتحسين أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية.

واعتبر الوزير أن اشتغال أحد أفراد الأسرة لا ينبغي أن يشكل، في حد ذاته، سبباً لحرمانها من الدعم، ما دام استحقاقها قائماً وفق المعايير المعتمدة، في توجه يرمي إلى تفادي تحول ممارسة العمل إلى عامل إقصاء من منظومة المساعدة الاجتماعية.

مراجعة معايير الاستحقاق

وكشف الوزير عن توجه نحو مراجعة معايير تحديد الأسر المستفيدة، من خلال الانتقال التدريجي من الاعتماد على المؤشر السوسيو اقتصادي إلى اتخاذ الدخل الأسري معياراً أساسياً لتحديد الاستحقاق، موضحاً أن تقييم التجربة السابقة أظهر حالات لم تتمكن فيها أسر محتاجة من الاستفادة بسبب طبيعة المؤشر المعتمد.

وأقر بأهمية البناء على المكتسبات التي تحققت خلال المرحلة السابقة، مشيراً إلى مساهمة الحكومة السابقة في إرساء مسار الدعم الاجتماعي، معتبراً أن الممارسة العملية أظهرت الحاجة إلى تطوير معايير الاستفادة وتصحيح الاختلالات التي قد تحول دون وصول المساعدات إلى الأسر التي تحتاج إليها فعلياً.

تثمين المكتسبات الدبلوماسية في قضية الصحراء

وبموازاة الرهانات الاقتصادية والاجتماعية، شدد الوزير على ضرورة مواصلة تثمين المكتسبات الدبلوماسية التي حققها المغرب في قضية الصحراء المغربية تحت القيادة الملكية، مؤكداً أهمية التعبئة الوطنية والدبلوماسية للدفاع عن الوحدة الترابية وتعزيز موقع المملكة على الساحة الدولية.

وأكد أهمية الإشادة بقرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الداعمة للمبادرة المغربية للحكم الذاتي، باعتبارها مقترحاً سياسياً تطرحه المملكة في إطار مساعي التوصل إلى حل نهائي للنزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية على أساس السيادة المغربية، معبراً عن حرص المغرب على صيانة المكتسبات المحققة وتحصينها ومواصلة حضور قضيته الوطنية الأولى في مختلف المحافل الدولية.

كما أبرز أهمية الأدوار التي تضطلع بها القوات المسلحة الملكية ومختلف الأجهزة الأمنية والإدارية في حماية الحدود الوطنية وصون الأمن والاستقرار والحفاظ على الوحدة الترابية، مع التنويه بالتضحيات التي تقدمها هذه المؤسسات في سبيل حماية المصالح الاستراتيجية للمملكة ومواجهة التحديات الإقليمية والدولية.

أسئلة مرتبطة بالتنفيذ والتمويل

تتقاطع هذه الرسائل مع الرهان الذي يطرحه مشروع قانون المالية لسنة 2027، والمتمثل في الجمع بين مواصلة تعزيز مكانة المغرب خارجياً وتطوير أدائه الاقتصادي والاجتماعي داخلياً، بما يجعل الدبلوماسية والعمل المؤسساتي والسياسات العمومية مكونات متكاملة في خدمة المصالح العليا للبلاد.

وبين الإجراءات المعلنة لفائدة المتقاعدين والأرامل والأسر المستفيدة من الدعم، والتوجه نحو مراجعة معايير الاستحقاق وتخفيف أعباء الكهرباء، يطرح المشروع أسئلة مرتبطة بكلفة الالتزامات الاجتماعية ومصادر تمويلها وشروط تنزيلها، فضلاً عن مدى قدرتها على تحسين القدرة الشرائية بصورة ملموسة، في وقت يظل الانتقال من الأهداف المعلنة إلى النتائج الفعلية مرتبطاً بتحديد آليات التنفيذ وضمان استمرارية التمويل وشفافية الاستفادة.

ومن المرتقب أن يشكل النقاش البرلماني حول المشروع محطة أساسية لتقييم مدى انسجام التوجهات الاقتصادية مع الالتزامات الاجتماعية، وقياس قدرة الحكومة على تحويل وعودها إلى إجراءات قابلة للتتبع والمحاسبة، في وقت تؤكد فيه أن المرحلة الجديدة تستهدف تجاوز اختلالات الماضي وإرساء نموذج تنموي أكثر توازناً يجمع بين خلق الثروة والإنصاف الاجتماعي ومواصلة الدفاع عن الوحدة الترابية والمكتسبات الدبلوماسية للمملكة.

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد