المحروقات وصفقات بمليارات الدراهم.. هل تفتح الحكومة المقبلة ملفات الإرث الاقتصادي لحكومة أخنوش؟

موند بريس.

من تحرير أسعار المحروقات إلى صفقات تحلية مياه البحر ودعم استيراد الأغنام، تطرح ملفات اقتصادية مثيرة للجدل أسئلة بشأن تضارب المصالح وشفافية تدبير المال العام، وتضع الحكومة المقبلة أمام اختبار صعب يتعلق بحدود المساءلة السياسية والإدارية والقضائية.

مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية التي قادها عزيز أخنوش، تتجدد التساؤلات بشأن عدد من الملفات المالية والاقتصادية التي رافقت تدبير الشأن العام خلال السنوات الخمس الماضية، في مقدمتها أسعار المحروقات، والصفقات العمومية الكبرى، وتوزيع الدعم الحكومي، ومدى احترام قواعد الشفافية وتكافؤ الفرص بين الفاعلين الاقتصاديين.

وتكتسي هذه الملفات أهمية إضافية في سياق الانتقال إلى حكومة جديدة يُرتقب أن تقودها فاطمة الزهراء المنصوري، بالنظر إلى تشابك المصالح السياسية والاقتصادية، وإلى كون حزب الأصالة والمعاصرة الذي تنتمي إليه المنصوري كان شريكاً في الأغلبية الحكومية المنتهية ولايتها.

وبين المطالب السياسية بفتح الملفات المثيرة للجدل، والحاجة إلى التمييز بين المسؤولية السياسية والمخالفات القانونية التي تستوجب إثباتاً، يبرز سؤال جوهري: هل ستتجه الحكومة المقبلة إلى تقييم مستقل لتدبير الملفات السابقة، أم ستكتفي بمواصلة السياسات القائمة دون إعادة فحص القرارات التي أثارت نقاشاً واسعاً؟

المحروقات.. الملف الأكثر حساسية

يتصدر ملف أسعار المحروقات قائمة القضايا التي يُنتظر أن تظل حاضرة في النقاش العمومي، بالنظر إلى انعكاساته المباشرة على القدرة الشرائية للأسر وتكاليف النقل والإنتاج، فضلاً عن ارتباطه بتساؤلات حول المنافسة وهوامش أرباح الشركات العاملة في القطاع.

وتزداد حساسية هذا الملف بسبب ارتباط عزيز أخنوش بمجموعة «أكوا»، التي تضم شركة «أفريقيا» الناشطة في توزيع المحروقات، وهو ما أثار نقاشاً سياسياً بشأن الفصل بين المسؤولية الحكومية والمصالح الاقتصادية الخاصة، ومدى كفاية الضمانات المؤسساتية لتفادي حالات تضارب المصالح أو مظاهر الاشتباه فيها.

ومنذ تحرير أسعار المحروقات، ظلت هوامش أرباح الشركات ومستويات المنافسة في السوق موضوعاً للجدل، خصوصاً في الفترات التي سجلت فيها الأسعار ارتفاعات انعكست على المستهلكين. كما جرى تداول تقديرات تتحدث عن أرباح إضافية بمليارات الدراهم، من بينها رقم 17 مليار درهم، غير أن توصيف هذه المبالغ باعتبارها أرباحاً غير مستحقة يظل ادعاءً يحتاج إلى تدقيق في منهجية احتسابه وأساسه الاقتصادي والقانوني.

وفي نونبر 2023، أعلن مجلس المنافسة التوصل إلى اتفاقات صلح مع تسع شركات لتوزيع المحروقات ومنظمتها المهنية، مقابل أداء مبلغ إجمالي يقارب 1.84 مليار درهم، في إطار معالجة ممارسات مرتبطة بقواعد المنافسة. وأعاد هذا التطور النقاش حول فعالية آليات ضبط السوق، ومدى قدرة الإجراءات الزجرية والتصالحية على ضمان منافسة حقيقية تنعكس على الأسعار النهائية.

ولا ينحصر الجدل في شركة «أفريقيا»، بل يمتد إلى بنية القطاع وعلاقات الملكية والمصالح الاقتصادية والسياسية المحيطة به، بما في ذلك شركات أخرى، من بينها «بتروم» المرتبطة بعائلة بوعيدة. ويقتضي التعامل الموضوعي مع هذه المعطيات التحقق من طبيعة الروابط المعنية، دون اعتبار مجرد الانتماء الحزبي أو العلاقة العائلية دليلاً على ارتكاب مخالفة.

ومن هنا، فإن أي مراجعة جدية لهذا الملف تستدعي نشر معطيات واضحة بشأن تطور الأسعار وهوامش التوزيع، وتحليل مستويات المنافسة، وتقييم أثر القرارات التنظيمية على المستهلك، مع إخضاع النتائج لمعايير موضوعية قابلة للتحقق.

محطة تحلية مياه البحر.. بين الحاجة الاستراتيجية وشبهات تضارب المصالح

يمثل مشروع محطة تحلية مياه البحر بالدار البيضاء، الذي تقدر كلفته الاستثمارية بنحو 6.5 مليارات درهم وفق المعطيات المتداولة بشأنه، أحد الملفات التي أثارت نقاشاً سياسياً حول إسناد المشاريع الاستراتيجية وعلاقة المسؤولية الحكومية بالمصالح التجارية.

ويضم التحالف الفائز بالمشروع شركة «أكسيونا» الإسبانية، إلى جانب شركتين مغربيتين هما «غرين أوف أفريكا» و«أفريقيا غاز»، المرتبطتين بالمجموعة الاقتصادية التي ينشط ضمنها أخنوش.

وأثار هذا المعطى انتقادات بشأن ضرورة ضمان الفصل بين تدبير الشأن العام والمصالح الاقتصادية الخاصة، لا سيما عندما يتعلق الأمر بمشاريع كبرى تمولها أو تنظمها مؤسسات عمومية. وفي المقابل، دافع أخنوش عن قانونية مسطرة المنافسة، بينما يظل الحسم في أي ادعاء بوجود مخالفات رهيناً بالأدلة والإجراءات القانونية المختصة.

وتتجاوز أهمية الملف مسألة هوية الشركات المستفيدة، لتشمل طبيعة مسطرة إسناد المشروع، ومعايير تقييم العروض، وشروط المنافسة، وآليات مراقبة التنفيذ والكلفة النهائية. وهي عناصر يمكن إخضاعها لافتحاص مستقل يتيح للرأي العام الاطلاع على مدى احترام قواعد الحكامة والشفافية.

صفقات المستلزمات الطبية.. أسئلة حول تدبير المصالح الخاصة

وفي قطاع الصحة، برزت تساؤلات بشأن صفقات توريد الأدوية والمستلزمات الطبية التي حصلت عليها شركة «فارما بروم»، المرتبطة بمحمد سعد برادة، وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة.

وقد أثار تداول معطيات ووثائق بشأن هذه الصفقات نقاشاً حول مدى استمرار العلاقات التجارية بين أعضاء في الحكومة وشركات تتعامل مع المؤسسات العمومية، وحول الضمانات المطلوبة لتفادي تضارب المصالح في تدبير الصفقات العمومية.

ويقتضي التحقق من هذه المعطيات التمييز بين ملكية الشركات، وطبيعة المسؤوليات التسييرية داخلها، وتواريخ إبرام العقود وتنفيذها، ومدى احترام القواعد القانونية المنظمة لتضارب المصالح. كما يتطلب الأمر فحص الوثائق ذات الصلة وتحديد ما إذا كانت الوقائع المثارة تتضمن مخالفات فعلية أم مجرد وضعيات تستوجب توضيحاً مؤسساتياً.

وفي هذا السياق، سيكون نشر المعلومات المتعلقة بالصفقات العمومية، وشروط إسنادها، والجهات المستفيدة منها، خطوة أساسية لتعزيز الثقة في تدبير قطاع حيوي يرتبط مباشرة بجودة الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين.

«المغرب الأخضر» ودعم استيراد الأغنام.. من يستفيد من المال العام؟

في القطاع الفلاحي، تتجاوز الأسئلة المرتبطة بحصيلة التدبير الحكومي السنوات الخمس الأخيرة، لتعود إلى مخطط «المغرب الأخضر» الذي أُطلق سنة 2008 تحت إشراف عزيز أخنوش عندما كان وزيراً للفلاحة.

ورغم ما حققه القطاع من تطورات في بعض سلاسل الإنتاج والتصدير، فإن تقييم المخطط ظل يثير نقاشاً بشأن توزيع الدعم العمومي، ومدى استفادة صغار الفلاحين مقارنة بكبار المستثمرين، وتأثير الزراعات الموجهة للتصدير على الموارد المائية والأمن الغذائي.

وتكتسب هذه التساؤلات أهمية خاصة في ظل توالي سنوات الجفاف والضغط المتزايد على الموارد المائية، بما يفرض تقييماً موضوعياً لمدى ملاءمة الخيارات الفلاحية للظروف المناخية والاجتماعية والاقتصادية التي يعرفها المغرب.

أما ملف دعم استيراد الأغنام واللحوم، فقد أثار بدوره جدلاً واسعاً، بعدما تحدثت أطراف من المعارضة عن كلفة إجمالية تناهز 13.3 مليار درهم، تشمل الإعفاءات والامتيازات المرتبطة بالتدخلات الحكومية في هذا المجال. وفي المقابل، أعلنت وزارة الفلاحة أن الدعم النقدي المباشر المخصص لاستيراد أغنام عيد الأضحى خلال سنتي 2023 و2024 بلغ 437 مليون درهم.

ويقتضي التعامل الدقيق مع الرقمين عدم الخلط بين الدعم النقدي المباشر والإعفاءات الضريبية أو غيرها من الامتيازات، ما يستدعي نشر تفصيل رسمي لمكونات الكلفة الإجمالية، وتحديد المستفيدين الفعليين، وقياس الأثر الذي أحدثته هذه التدابير على أسعار اللحوم والأغنام في السوق الوطنية.

فالمعيار الأساسي لتقييم هذه البرامج لا يقتصر على حجم الأموال المرصودة، بل يشمل مدى تحقيقها للأهداف المعلنة، ومدى وصول آثارها إلى المستهلكين، وشفافية اختيار المستفيدين منها، وقدرتها على الحد من تقلبات الأسعار.

الصفقات الملغاة والبرامج العمومية تحت المجهر

إلى جانب الملفات السابقة، تبرز قضايا أخرى تتعلق بتدبير الصفقات العمومية، ولا سيما الصفقات التي أُثير بشأنها نقاش حول الإلغاء وإعادة الطرح، فضلاً عن حكامة برامج مواجهة الجفاف وتوزيع الإعانات العمومية.

وتستدعي هذه الملفات فحصاً للوثائق والمساطر المعتمدة، وتحديد أسباب إلغاء الصفقات أو إعادة إطلاقها، ومدى احترام مبادئ المنافسة وتكافؤ الفرص، إلى جانب تقييم نتائج البرامج العمومية مقارنة بالميزانيات المرصودة لها.

كما تبرز أهمية التقارير الصادرة عن مؤسسات الرقابة والتدقيق، باعتبارها مدخلاً لتحديد الاختلالات المحتملة واقتراح الإصلاحات اللازمة، مع التمييز بين الملاحظات التدبيرية والمخالفات التي قد تستوجب إحالة على الجهات المختصة.

ويظل نشر المعطيات المالية وتيسير الوصول إلى المعلومات المتعلقة بالإنفاق العمومي من بين الأدوات الأساسية التي تسمح بتحويل النقاش السياسي من تبادل الاتهامات إلى تقييم مؤسساتي يستند إلى الوثائق والأرقام.

الحكومة المقبلة أمام اختبار الشفافية والمساءلة

لن يكون التحدي المطروح أمام الحكومة المقبلة مرتبطاً فقط بإعداد برنامج اقتصادي واجتماعي جديد، بل سيمتد إلى كيفية تعاملها مع الملفات التي أثارت جدلاً خلال الولاية السابقة، ومدى استعدادها لإخضاع القرارات والتدابير العمومية لتقييم مستقل وشفاف.

ويمكن للحكومة، في حدود اختصاصاتها القانونية، إطلاق افتحاصات إدارية ومالية، ونشر نتائج تقييم البرامج العمومية، وتعزيز قواعد التصريح بالمصالح وتدبير حالات تضاربها، فضلاً عن إحالة ما قد تكشف عنه عمليات المراقبة من مخالفات على الجهات المختصة.

غير أن هذه الإجراءات ينبغي أن تتم وفق ضمانات الاستقلالية والموضوعية، بعيداً عن التصفية السياسية للحسابات، مع احترام قرينة البراءة واستقلال القضاء. فالمساءلة لا تعني الإدانة المسبقة، كما أن غياب حكم قضائي لا يمنع المؤسسات المختصة من فحص القرارات الإدارية والمالية وتقييم مدى مطابقتها للقانون.

ويمكن أن تشكل الأشهر الأولى من الولاية الحكومية الجديدة مؤشراً على طبيعة المقاربة المعتمدة، من خلال مدى الاستعداد لنشر المعطيات المرتبطة بالصفقات والدعم العمومي، وتفعيل توصيات مؤسسات الرقابة، وتوضيح كيفية تدبير حالات تضارب المصالح، وتحديد المسؤوليات الإدارية والسياسية حيثما ثبت موجبها.

وفي المحصلة، فإن الرهان لا يتعلق بفتح الملفات لمجرد إثارة الجدل أو استهداف أشخاص بعينهم، بل بإرساء قواعد واضحة تضمن عدم الإفلات من المساءلة عند ثبوت المخالفات، وتحمي في الوقت نفسه الحقوق القانونية للأفراد والمؤسسات.

وبين منطق استمرارية السياسات ومنطق إعادة التقييم والمراجعة، ستظل ملفات المحروقات والصفقات الكبرى والدعم الفلاحي اختباراً لمدى قدرة الحكومة المقبلة على تحويل شعار ربط المسؤولية بالمحاسبة إلى إجراءات ملموسة، تعزز الثقة في المؤسسات وتكرس الشفافية في تدبير المال العام.

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد