التوريث السياسي.. حين يصبح اسم العائلة جواز مرور إلى الإنتخابات

  موند بريس / ذ. محمد أيت المودن

من يملك مفاتيح الترشح؟ وهل تكافؤ الفرص داخل الأحزاب حقيقة أم مجرد شعار؟

مع كل موسم انتخابي، لا يقتصر النقاش في المغرب على البرامج الانتخابية أو الوعود التي تقدمها الأحزاب للناخبين، بل يطفو على السطح سؤال أكثر حساسية يتعلق بطبيعة النخب التي تتقدم للتنافس على المقاعد المنتخبة. فظهور أسماء أبناء وزوجات وأقارب شخصيات سياسية معروفة يعيد إلى الواجهة ظاهرة لطالما أثارت الجدل: هل نحن أمام انتقال طبيعي للممارسة السياسية بين الأجيال، أم أمام شكل من أشكال التوريث السياسي؟

المسألة لا تتعلق بحق أبناء السياسيين في دخول الحياة العامة، فهذا حق لا يمكن مصادرته، كما أن الانتماء إلى عائلة سياسية لا يعني تلقائيًا غياب الكفاءة أو انعدام الاستحقاق. لكن الإشكال الحقيقي يبدأ عندما يصبح الاسم العائلي وشبكة العلاقات والنفوذ المتراكم داخل الحزب والمجال الانتخابي عناصر تمنح بعض المرشحين أفضلية يصعب على الوافدين الجدد منافستها.

وفي عدد من الدوائر الانتخابية، يلاحظ المواطن استمرار حضور أسماء سياسية معينة لسنوات طويلة، قبل أن تظهر أسماء من العائلة نفسها في مواقع أخرى، سواء داخل المؤسسات المنتخبة أو في التنظيمات الحزبية. ومع مرور الوقت، قد يبدو المشهد وكأن السياسة أصبحت مجالًا تنتقل فيه الخبرة والعلاقات والنفوذ من جيل إلى آخر.

وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة: هل يستطيع شاب لا ينتمي إلى عائلة سياسية معروفة أن ينافس على قدم المساواة مع شخص ورث شبكة انتخابية وحزبية جاهزة؟

فالمشكلة لا تكمن فقط في الوصول إلى الترشح، وإنما في الطريق المؤدي إليه. فاختيار المرشحين داخل الأحزاب قد يكون محطة حاسمة تحدد مسبقًا فرص النجاح الانتخابي. وكلما كانت للشخص علاقات واسعة، وحضور عائلي معروف، وشبكة من المؤيدين، يصبح دخوله إلى السباق الانتخابي أكثر سهولة، بينما يحتاج الوافد الجديد إلى سنوات طويلة لبناء الحضور والثقة والعلاقات.

وهنا تكمن المفارقة الديمقراطية: الأحزاب تتحدث عن تشبيب النخب، واستقطاب الكفاءات، وإشراك الشباب في صناعة القرار، لكن المواطن يلاحظ في بعض الحالات عودة الأسماء نفسها، أو انتقال المشهد من الأب إلى الابن ومن جيل إلى جيل.

ولا يمكن تجاهل تأثير هذه الصورة على علاقة الشباب بالسياسة. فحين يشعر شاب يمتلك تكوينًا وقدرات ورغبة في خدمة الشأن العام بأن المنافسة غير متكافئة، فإن النتيجة قد تكون الانسحاب مبكرًا من العمل الحزبي، أو فقدان الثقة في جدوى المشاركة السياسية.

وهذا بالضبط ما يجعل ظاهرة التوريث السياسي تتجاوز كونها مسألة عائلية إلى قضية مرتبطة بصورة الديمقراطية نفسها.

فالمواطن لا يطالب بمنع أبناء السياسيين من ممارسة السياسة، وإنما يطالب بأن تكون القواعد واحدة للجميع. أن يكون الترشيح قائمًا على الكفاءة، والحضور الميداني، والنزاهة، والقدرة على تقديم برنامج مقنع، وليس على قوة الاسم أو الامتداد العائلي.

كما أن الأحزاب مطالبة بالإجابة بوضوح عن سؤال آخر لا يقل أهمية: كيف يتم اختيار المرشحين؟

هل توجد معايير معلنة وشفافة؟ هل يتم تقييم الكفاءة والتجربة والقدرة على التواصل مع المواطنين؟ وهل يحصل الشباب والنساء والطاقات الجديدة على فرص حقيقية للمنافسة، أم أن الاعتبارات الانتخابية الضيقة تظل صاحبة الكلمة الأخيرة؟

إن تجديد النخب لا يمكن أن يتحقق بمجرد إدراج عدد محدود من الوجوه الشابة في اللوائح الانتخابية، بينما تظل مراكز القرار الحزبي والدوائر الانتخابية خاضعة للمنطق التقليدي نفسه.

المطلوب هو فتح الأبواب أمام جيل جديد من السياسيين، وإعادة بناء الثقة بين المواطن والحزب، وإرساء قواعد واضحة لاختيار المرشحين، بما يضمن أن يكون التنافس حول من يملك القدرة على خدمة المواطنين، وليس حول من يملك الاسم الأكثر شهرة أو العائلة الأكثر نفوذًا.

فالسياسة ليست تركة شخصية، والمقعد الانتخابي ليس ملكية عائلية، والحزب ليس فضاءً مغلقًا أمام القادمين الجدد.

وإذا كان من حق ابن السياسي أن يخوض الانتخابات، فإن من حق ابن المواطن العادي أيضًا أن يحصل على الفرصة نفسها.

وهنا جوهر القضية: هل ستنجح الأحزاب المغربية في كسر الحلقة المغلقة وإنتاج نخب جديدة، أم أن الانتخابات المقبلة ستعيد مرة أخرى تدوير الأسماء نفسها، تحت عناوين وشعارات جديدة؟

السؤال لم يعد فقط: من سيفوز في الانتخابات؟

بل أصبح أكثر عمقًا: من يملك أصلًا فرصة الوصول إلى صناديق الاقتراع كمرشح ؟

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد