البيت الأبيض يعيد إحياء فرضية “التسرب المختبري”.. والجدل حول منشأ كورونا يعود إلى الواجهة

موند بريس.

عاد ملف منشأ فيروس كورونا المستجد إلى صدارة النقاش الدولي، بعد أن تبنى البيت الأبيض بشكل واضح فرضية تسرب الفيروس من مختبر في مدينة ووهان الصينية، مستنداً إلى معطيات يرى أنها تعزز هذا السيناريو، في وقت لا يزال فيه المجتمع العلمي منقسماً بين فرضية المنشأ الحيواني واحتمال وقوع حادث داخل أحد المختبرات.

ونشر البيت الأبيض، عبر موقعه الرسمي، صفحة بعنوان “منشأ كوفيد-19: التسرب المختبري”، عرض فيها خمس نقاط اعتبرها مؤشرات ترجح فرضية الحادث المختبري. غير أن هذه الصفحة لا تستند إلى دراسة علمية جديدة، بل تعيد عرض أبرز خلاصات التقرير النهائي للجنة الفرعية المختارة المعنية بجائحة كورونا في مجلس النواب الأمريكي، الصادر في دجنبر 2024، والذي خلص إلى أن الفيروس “ظهر على الأرجح نتيجة حادث مرتبط بمختبر في ووهان”.

وتصاعدت حدة الموقف الأمريكي خلال يونيو 2026، بعدما نشر مكتب مدير الاستخبارات الوطنية وثائق تتهم أبحاثاً ممولة من الولايات المتحدة داخل معهد ووهان لعلم الفيروسات بالمساهمة في تسرب الفيروس، رغم أن التقييمات الاستخباراتية الأمريكية السابقة ظلت منقسمة بين فرضية الانتقال الطبيعي من الحيوان إلى الإنسان واحتمال وقوع حادث مختبري.

فرضيتان لا تزالان مطروحتين

ومنذ ظهور أولى حالات الالتهاب الرئوي الغامض بمدينة ووهان أواخر سنة 2019، انحصر النقاش العلمي في فرضيتين رئيسيتين؛ الأولى تفترض انتقال الفيروس بشكل طبيعي من الخفافيش أو عبر حيوان وسيط قبل انتقاله إلى البشر، فيما ترجح الثانية وقوع حادث أثناء أبحاث علمية، سواء بسبب إصابة أحد الباحثين أو نتيجة خلل في إجراءات السلامة داخل المختبر.

ويؤكد خبراء أن فرضية التسرب المختبري لا تعني بالضرورة أن الفيروس صُنّع أو عُدل وراثياً، إذ قد يكون فيروساً طبيعياً جُمِع من الحياة البرية لأغراض البحث قبل أن يتسرب عن طريق الخطأ.

خمس حجج يطرحها البيت الأبيض

واستندت الإدارة الأمريكية إلى خمس نقاط رئيسية لدعم موقفها، أولها ما اعتبرته خصائص بيولوجية “غير مألوفة” في فيروس “سارس-كوف-2”. غير أن دراسة نشرتها مجلة Nature Medicine سنة 2020 خلصت إلى عدم وجود أدلة تشير إلى أن الفيروس صُمم أو عُدل وراثياً، وهو ما أكدته لاحقاً أجهزة الاستخبارات الأمريكية، التي استبعدت أيضاً فرضية تطويره كسلاح بيولوجي.

أما الحجة الثانية فتتعلق، بحسب البيت الأبيض، بكون الجائحة انطلقت من واقعة انتقال واحدة إلى الإنسان، بينما تشير دراسات منشورة في مجلة Science إلى احتمال حدوث أكثر من انتقال من الحيوان إلى البشر، مع اعتبار سوق “هوانان” أحد المراكز الأولى لانتشار العدوى، دون أن تتمكن منظمة الصحة العالمية من الجزم بأنه كان نقطة البداية.

ويستند البيت الأبيض كذلك إلى وجود معهد ووهان لعلم الفيروسات في المدينة نفسها التي شهدت أولى الإصابات، مع الإشارة إلى أن بعض التقارير الاستخباراتية تحدثت عن احتمال وجود ثغرات في إجراءات السلامة داخل المختبر. غير أن تلك التقارير نفسها أكدت عدم توفر أي دليل مباشر على امتلاك المعهد للفيروس قبل الجائحة أو وقوع حادث محدد تسبب في انتشاره.

كما استشهدت الإدارة الأمريكية بتقارير تحدثت عن إصابة عدد من الباحثين في معهد ووهان بأعراض تنفسية خلال خريف 2019، إلا أن التقييمات الاستخباراتية أوضحت أن تلك الأعراض لا تكفي لإثبات إصابتهم بـ”كوفيد-19″، ولا يمكن اعتبارها دليلاً حاسماً على فرضية التسرب.

وتتمثل الحجة الخامسة في عدم تمكن الباحثين حتى الآن من تحديد الحيوان الوسيط الذي نقل الفيروس إلى الإنسان، وهو ما تعتبره واشنطن مؤشراً داعماً لفرضية المختبر، بينما يرى علماء أن غياب هذا الدليل لا ينفي المنشأ الطبيعي، إذ إن تحديد مصدر بعض الأمراض الحيوانية قد يستغرق سنوات، وربما لا يتم التوصل إليه مطلقاً.

انتقادات تطال فاوتشي

وأعاد البيت الأبيض توجيه انتقادات إلى عالم المناعة الأمريكي أنتوني فاوتشي، متهماً إياه بدعم الدراسات التي رجحت المنشأ الطبيعي للفيروس. وكان فاوتشي قد أكد، خلال شهاداته السابقة أمام الكونغرس، أن الأدلة التي اطلع عليها تميل إلى فرضية الانتقال الطبيعي، دون استبعاد احتمال وقوع حادث مختبري.

وفي يوليوز 2026، مثل فاوتشي أمام لجنة بمجلس الشيوخ، حيث امتنع عن الإجابة عن عدد من الأسئلة مستنداً إلى حقه الدستوري في عدم تجريم نفسه، دون أن توجه إليه حتى الآن أي إدانة جنائية مرتبطة بالاتهامات الموجهة إليه.

منظمة الصحة العالمية: لا دليل حاسماً

من جهتها، أكدت منظمة الصحة العالمية، في تقرير أصدرته خلال يونيو 2025، أن انتقال الفيروس من الحيوان إلى الإنسان لا يزال السيناريو الأكثر دعماً بالمعطيات العلمية المتوفرة، لكنها شددت في المقابل على أنها لم تحصل على جميع البيانات الضرورية لتقييم فرضية الحادث المختبري، خصوصاً السجلات الصحية للعاملين في مختبرات ووهان والمعلومات المتعلقة بالأبحاث وإجراءات السلامة.

وأكدت المنظمة أن أصل فيروس “سارس-كوف-2” لا يزال غير محسوم، وأن الفصل النهائي في هذه القضية يتطلب توفير معطيات إضافية تسمح بحسم الجدل علمياً.

وفي ظل استمرار غياب الدليل القاطع، تبقى فرضيتا المنشأ الحيواني والتسرب المختبري قائمتين، بينما يظل تحديد المصدر الحقيقي لجائحة “كوفيد-19” رهيناً بما قد تكشفه الأبحاث والبيانات المستقبلية، بعيداً عن التجاذبات السياسية التي لا تزال تلقي بظلالها على هذا الملف.

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد