موند بريس.
أسهم الغموض في السياسة الأمريكية خلال الحرب مع إيران في تصعيد الصراع وإضعاف فرص التوصل إلى اتفاقات مستقرة، فالمشكلة لا تكمن في القوة العسكرية الإيرانية بقدر ما ترتبط بتضارب الرسائل الصادرة عن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن أهداف الحرب، بحسب تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية.
ويشير التحليل إلى أن واشنطن لم تقدم رؤية ثابتة لمسار الصراع، إذ تنقلت تصريحات ترامب بين منع إيران من امتلاك سلاح نووي، والدعوة إلى إسقاط النظام الإيراني، ثم التركيز على تدمير القدرات الصاروخية، قبل الانتقال إلى توقيع اتفاقات لوقف إطلاق النار، كما تذبذبت مواقفه بشأن السيطرة على جزيرة «خرج» وفرض رسوم على الملاحة في مضيق هرمز، قبل أن يتراجع عنها ويؤكد ضرورة بقاء الممر المائي مفتوحًا أمام الجميع.
التناقض في السياسة الأمريكية يزيد من حالة الشك
وبحسب كاتب المقال، وهو الباحث الأمريكي إيريك جرينبرج، أدى هذا التناقض إلى زيادة حالة عدم اليقين لدى طهران، التي باتت تنظر إلى الحرب باعتبارها تهديدًا وجوديًا، وافترضت أن الهدف الحقيقي لواشنطن هو إسقاط النظام الإيراني، ما دفعها إلى الرد بأقصى قوة من خلال تكثيف الهجمات الصاروخية واستخدام الطائرات المسيّرة، الأمر الذي وسع نطاق المواجهة بدلًا من احتوائها.
فالغموض الأمريكي لم يقتصر على إدارة العمليات العسكرية، بل امتد إلى اتفاقات وقف إطلاق النار، كما أن مذكرة التفاهم التي وقَّعتها واشنطن وطهران في يونيو، والتي نصَّت على التزام إيران ببذل أقصى جهد لتأمين مرور السفن في مضيق هرمز، دون تحديد واضح لمعنى هذا الالتزام.
تفسير خاطئ سببه الغموض
ووفقًا للتحليل، فسَّرت الولايات المتحدة هذا البند على أنه يضمن حرية الملاحة لجميع السفن، بينما اعتبرت إيران أنه يمنحها حق تنظيم المرور وفرض قواعدها داخل مضيق هرمز، وأدى اختلاف التفسير إلى اتهام كل طرف للآخر بانتهاك الاتفاق، قبل أن تتجدد المواجهات العسكرية.
لكن الغموض ليس دائمًا عاملًا سلبيًا، إذ قد يمنح الأطراف مساحة لاحتواء الأزمات ومنع التصعيد، فما جرى عقب وقف إطلاق النار في أبريل، عندما تعرضت سفن أمريكية لهجمات إيرانية، إلا أن إدارة ترامب قللت من أهمية الحادث وأكدت استمرار الهدنة، وردت بضربة محدودة شددت بعدها على أنها لا تسعى إلى التصعيد، وهو ما ساهم في تجنب اندلاع مواجهة أوسع.
لكن التحليل يرى أن هذا النوع من الغموض يختلف عن حالة الارتباك التي ميزت السياسة الأمريكية خلال الحرب، معتبرًا أن تغيّر أهداف إدارة ترامب بصورة متكررة أضعف مصداقية واشنطن وجعل إيران تشك في أي التزامات أو تفاهمات مستقبلية.
كما يشير إلى أن إسرائيل ساهمت في زيادة هذا الغموض، بعدما واصلت تنفيذ عمليات عسكرية ضد أهداف مرتبطة بحزب الله رغم وجود تفاهمات بين واشنطن وطهران، وهو ما عزز الاعتقاد لدى الإيرانيين بأن الولايات المتحدة غير قادرة على إلزام حلفائها بما يتم الاتفاق عليه.
الحل.. تحديد الأهداف بوضوح
ولزيادة فرص التوصل إلى تسوية أكثر استدامة تتطلب من الولايات المتحدة تحديد أهدافها بوضوح والالتزام بها بصورة متسقة، مقابل أهداف إيرانية يعتبرها الكاتب أكثر وضوحًا، وتشمل الحفاظ على النظام، وردع أي هجمات مستقبلية، وتعزيز النفوذ في مضيق هرمز، والسعي إلى تخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال المجمدة.
ومع استمرار الغموض في السياسة الأمريكية، سيبقي احتمالات سوء التقدير قائمة، ويزيد من خطر انهيار أي اتفاقات مستقبلية وعودة التصعيد العسكري بين الجانبين.
قم بكتابة اول تعليق