موند بريس / محمد أيت المودن
تشهد منطقة الساحل وغرب أفريقيا تحولات متسارعة في موازين النفوذ الإقليمي، مع بروز المغرب كفاعل دبلوماسي واقتصادي أكثر حضوراً، في مقابل تراجع الدور الذي اضطلعت به الجزائر لعقود داخل هذه المنطقة. ويبرز هذا التحول من خلال سلسلة من المواقف السياسية والمشاريع الاقتصادية التي أعادت رسم خريطة التحالفات، وجعلت التنافس بين الرباط والجزائر يمتد من الفضاء المغاربي إلى العمق الإفريقي.
ويعد إعلان مالي دعمها لمبادرة الحكم الذاتي المغربية لحل قضية الصحراء، مقابل تأكيد الرباط دعمها لسيادة باماكو ووحدة أراضيها، أحد أبرز المؤشرات على هذا التحول. فبعد سنوات من احتفاظ مالي بموقف متحفظ، نتيجة العلاقات الوثيقة التي ربطتها بالجزائر ودورها في رعاية اتفاق السلام لعام 2015، تبدو باماكو اليوم أقرب إلى المغرب سياسياً ودبلوماسياً.
ويأتي هذا التقارب في سياق تراجع العلاقات بين مالي والجزائر، على خلفية خلافات مرتبطة بالملف الأمني في شمال مالي، حيث تبادلت العاصمتان خلال الفترة الأخيرة الاتهامات بشأن إدارة الأزمة، قبل أن تشهد العلاقات محاولات لاحتواء التوتر. كما أدى انسحاب السلطات المالية الجديدة من اتفاق الجزائر إلى تقليص الدور التقليدي الذي كانت تضطلع به الجزائر في الملف المالي.
وفي المقابل، اختار المغرب مقاربة مختلفة في تعامله مع دول الساحل، ترتكز على تعزيز التعاون الاقتصادي، وتطوير الشراكات الاستثمارية، ودعم التكوين الديني، وتوسيع التعاون الأمني، بعيداً عن لعب أدوار الوساطة السياسية بين الأطراف المتنازعة. ويرى متابعون أن هذه السياسة مكنت الرباط من بناء علاقات أكثر استقراراً مع الحكومات الجديدة في المنطقة.
ويبرز التنافس المغربي الجزائري أيضاً في مجال الطاقة، حيث يتقاطع مشروع أنبوب الغاز المغربي-النيجيري مع مشروع الأنبوب العابر للصحراء الذي تراهن عليه الجزائر لنقل الغاز النيجيري نحو أوروبا. غير أن المشروع الجزائري يواجه تحديات مرتبطة بالأوضاع الأمنية في مناطق عبوره، إلى جانب ارتفاع كلفة الإنجاز وصعوبات التمويل.
في المقابل، استطاع المغرب تحويل مشروعه مع نيجيريا إلى مبادرة إقليمية تحظى بدعم واسع من دول غرب أفريقيا، إذ يمر الأنبوب عبر عدد من دول المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس)، ويهدف إلى تزويد عدد من هذه الدول بالغاز لأول مرة، فضلاً عن تعزيز التكامل الاقتصادي وفتح آفاق جديدة للربط مع الأسواق الأوروبية.
كما برزت النيجر خلال الفترة الأخيرة كشريك استراتيجي جديد للمغرب، إذ حافظت الرباط على قنوات التعاون مع نيامي رغم التغيرات السياسية التي عرفتها البلاد. وتكتسب النيجر أهمية خاصة بالنظر إلى موقعها الجغرافي الذي يربط شمال أفريقيا بمنطقة الساحل، فضلاً عن انخراطها في المبادرة المغربية الرامية إلى تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، وهي المبادرة التي ينظر إليها باعتبارها مشروعاً استراتيجياً لتعزيز المبادلات التجارية والتنمية الإقليمية.
ويرى مراقبون أن التحولات الجارية في منطقة الساحل لم تعد تقتصر على التنافس السياسي، بل أصبحت تعكس سباقاً على النفوذ الاقتصادي وربط البنيات التحتية وبناء الشراكات طويلة الأمد. وفي هذا السياق، يبدو أن المغرب يراهن على أدوات التنمية والاستثمار لتعزيز حضوره الإفريقي، بينما تعمل الجزائر على إعادة ترتيب أوراقها للحفاظ على موقعها التقليدي في منطقة تشهد تغيرات جيوسياسية متسارعة.
قم بكتابة اول تعليق