الأمازيغية لغة للتعلم… لا مجرد مادة للتعليم

موند بريس / بقلم الأستاذ: عبد الله بوحنش

مع انطلاق ورش تعميم تدريس اللغة الأمازيغية، ودخول هذا المشروع مرحلة التنزيل الفعلي داخل المؤسسات التعليمية، برزت إلى السطح إشكالية عملية تكاد تكون القاسم المشترك بين مختلف المديريات والمؤسسات: من أين سنوفر الحصص الكافية في زمن مدرسي بلغ حد التشبع؟ وكيف يمكن استيعاب هذا الورش الوطني دون المساس بالتوازنات البيداغوجية للمواد الأخرى؟

هذا السؤال مشروع، لكنه في تقديري ينطلق من فرضية تحتاج إلى مراجعة؛ إذ يفترض أن الأمازيغية لا يمكن أن تُدرَّس إلا باعتبارها مادة مستقلة، لها حيزها الزمني الخاص. والحال أن الفكر التربوي المعاصر تجاوز منذ عقود هذا التصور التجزيئي، وانتقل إلى منطق التكامل بين المواد، وإلى اعتبار اللغة وسيلة لبناء التعلمات، وليست فقط موضوعاً للتعلم.

لقد حسم دستور المملكة لسنة 2011 مكانة الأمازيغية باعتبارها لغة رسمية للدولة، ثم جاء القانون التنظيمي المتعلق بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية ليؤكد ضرورة إدماجها تدريجياً في مختلف مجالات الحياة العامة، وفي مقدمتها التربية والتكوين. كما جعل القانون الإطار 17.51 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي من تثمين التعدد اللغوي والهوية الوطنية أحد مرتكزات الإصلاح، قبل أن تأتي خارطة الطريق 2022-2026 لتجعل تعميم تدريس الأمازيغية هدفاً عملياً ينبغي بلوغه.

غير أن الوفاء لهذه المرجعيات لا ينبغي أن يُختزل في رفع نسب التعميم أو في إحصاء عدد الحصص، وإنما في البحث عن صيغ ديداكتيكية تجعل اللغة الأمازيغية حاضرة في الحياة المدرسية بوصفها لغة تعلم وتواصل وإنتاج للمعرفة.

ومن هنا يبرز، في تقديري، مقترح يستحق النقاش والتجريب، ويتمثل في إسناد تدريس بعض المواد التكميلية باللغة الأمازيغية، في إطار المقاربة البين-تخصصية (Interdisciplinarité) والتصريف العرضي للمناهج والكفايات.

فالتربية الفنية، بما تقوم عليه من ملاحظة ووصف وتعبير وإبداع، تشكل مجالاً مثالياً لتوظيف اللغة الأمازيغية في سياقات طبيعية. والتربية البدنية تعتمد في جوهرها على التواصل الشفهي، والتعليمات، والتفاعل الجماعي، وهي بيئة خصبة لاكتساب اللغة من خلال الممارسة. أما الاجتماعيات، فهي المادة الأكثر التصاقاً بالهوية والتراث والمجال والثقافة، ومن ثم فإن تدريسها بالأمازيغية سيمنح المتعلم فرصة لاكتشاف مكونات شخصيته الحضارية باللغة التي تشكل أحد روافدها الأساسية.

إن هذا المقترح لا ينطلق من مجرد اعتبارات تنظيمية مرتبطة بضيق الزمن المدرسي، بل يجد سنده في المرجعيات الديداكتيكية الحديثة. فقد بين أن اللغة تنمو داخل الفعل الاجتماعي، وأن التعلمات تترسخ عندما تمارس في سياقات ذات معنى. وأكد أن المعرفة تُبنى من خلال التفاعل مع الخبرة، لا عبر الفصل المصطنع بين اللغة ومجالات استعمالها. كما أثبتت أبحاث أن التعليم المتعدد اللغات لا يضعف اكتساب اللغات الأخرى، بل يعزز الكفايات المعرفية واللغوية متى تم وفق رؤية بيداغوجية متكاملة.

وليس هذا التوجه غريباً عن التجارب الدولية؛ إذ تعتمد عدة أنظمة تعليمية تدريس بعض المواد غير اللغوية بلغات مختلفة، فيما يعرف اليوم بالتعليم المندمج للمحتوى واللغة (CLIL)، حيث يتعلم المتعلم اللغة من خلال تعلم المعرفة، ويتعلم المعرفة من خلال اللغة، دون أن يشعر بوجود حدود فاصلة بينهما.

أما اليونيسكو، فتؤكد في تقاريرها أن استعمال اللغات الوطنية في مختلف التعلمات يسهم في تحسين جودة التعليم، ويقوي التحصيل الدراسي، ويعزز الإنصاف اللغوي والثقافي، ويمنح المتعلم شعوراً أكبر بالانتماء والاعتزاز بهويته.

ومن الناحية العملية، فإن تدريس التربية الفنية، والتربية البدنية، والاجتماعيات بالأمازيغية سيحقق جملة من المكاسب في آن واحد؛ إذ سيخفف الضغط عن الزمن المدرسي، ويمنح الأمازيغية فضاءات استعمال حقيقية، ويجعلها لغة حياة لا لغة امتحان، كما سيعزز التكامل بين المواد، ويكرس فلسفة المقاربة بالكفايات التي تجعل اللغة مورداً عرضانياً يخدم جميع التعلمات.

ولا يعني ذلك بأي حال من الأحوال إقصاء العربية أو الفرنسية، أو تعويضهما بالأمازيغية، وإنما هو توزيع وظيفي للأدوار اللغوية داخل المدرسة، ينسجم مع الاختيارات الوطنية، ويضمن لكل لغة مجالها الذي تثبت فيه قدرتها على خدمة المتعلم والمعرفة معاً.

إن الإصلاحات التربوية الكبرى لا تنجح بإضافة حصص جديدة كلما ظهر مشروع جديد، وإنما بإعادة التفكير في هندسة التعلمات نفسها. وربما آن الأوان لأن نغادر سؤال: “كم ساعة سنخصص للأمازيغية؟” إلى سؤال أكثر عمقاً: “كيف نجعل الأمازيغية لغة للتعلم داخل المدرسة المغربية؟”

فاللغة التي تُستعمل في الرسم والرياضة والتاريخ والجغرافيا والثقافة، ستعيش في وجدان المتعلم أكثر بكثير من لغة تُختزل في حصة أسبوعية. وعندما تبلغ الأمازيغية هذه المكانة، نكون قد نجحنا فعلاً في تنزيل رسميتها داخل المدرسة، لا على الورق فحسب، بل في الممارسة اليومية، وهو الرهان الحقيقي الذي ينبغي أن تتجه إليه سياساتنا التربوية.

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد