موند بريس / بقلم الأستاذ: عبد الله بوحنش
كلما أعلنت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم عن لائحة “أسود الأطلس”، انطلقت الجوقة المعتادة، لأعداء هذا البلد المشمول برعاية الله، في عزف الأسطوانة المشروخة ذاتها: “أغلب اللاعبين يمارسون في البطولات الأجنبية!”. تُقال هذه العبارة بنبرة اتهامية صريحة، وكأن هؤلاء الرياضيين اقترفوا جُرم الخيانة العظمى، أو كأنهم كائنات وفدت من كوكب آخر لتسطو على قميص لا تستحقه، وهنا نقف مجبرين أمام مفارقة فجة تكشف عن خلل عميق في فهم مفهوم الوطن والمواطنة. إن هذه النبرة الإقصائية تضعنا أمام تساؤل حتمي ومفحم: هل أصبحت الوطنية تُقاس بالعناوين البريدية ومقرات الإقامة؟ وهل يُحدد الانتماء بمكان كسب القوت أم بمكان النبض والجذور؟ إن الذين يمارسون هذا “الفرز الفكري” العقيم يتناسون عن عمد أو جهل حقيقة صارخة، وهي أن هؤلاء اللاعبين لم يختاروا مكان ميلادهم في منفى فرضته ظروف آبائهم، لكنهم عندما ملكوا قرارهم، واشتد عودهم، اختاروا بكامل إرادتهم وحريتهم أن يمثلوا المغرب؛ فقد كان بإمكان أغلبهم، وهم نجوم في كبريات الدوريات الأوروبية، أن يرتدوا قمصان منتخبات عالمية تضمن لهم مجداً كروياً جاهزاً، وامتيازات مادية وتسويقية يسيل لها اللعاب، لكنهم صدموا الاتحادات الأوروبية، وآثروا أن يرتدوا قميص الوطن، وأن ينشدوا النشيد الوطني بدموع حارقة حامِلين راية الأجداد، فبأي حق يأتي اليوم “مزايد حاقد” جالس خلف شاشته ليوزع صكوك الوطنية على من ضحوا بمستقبلهم الدولي في أوروبا من أجل عيون هذا الوطن؟ إن محاولات نزع الهوية عن هؤلاء تتحطم صخرتها أمام واقع تصرفاتهم وعفويتهم؛ فعندما يسجد أحدهم شكراً لله بعد تسجيل هدف، في ملاعب لا تفهم معنى السجود، فهو لا يؤدي حركة استعراضية، بل يعلن بملء فيه عن عقيدته الإسلامية التي لم تنجح سنوات الغربة ولا بهرجة الشهرة في اقتلاعها من وجدانه، وعندما يتحدث لاعب بالأمازيغية أو بالعربية الدارجة في تصريحاته الإعلامية الدولية، فهو لا يبحث عن لقطة “تريند”، بل يتحدث بلسان أمه، باللغة التي تشرّبها في بيته المغترب، متشبثاً بهويته رغم أن لغة دراسته وعمله وعيشه اليومي هي الإنجليزية أو الفرنسية أو الإسبانية، كما أن تلك الدموع التي تنهمر بغزارة بعد كل انكسار، والفرحة الهستيرية بعد كل انتصار، ليست دموع موظفين يؤدون عملاً مأجوراً في شركة، بل هي دموع أبناء يحملون وطناً في صدورهم، يعيشون غربته في الخارج ويدافعون عن شرفه في الميدان. إن منطق هؤلاء المنتقدين يقودنا رأساً إلى نتيجة عبثية ومقززة: فإذا كان الاحتراف في الخارج يُسقط عن اللاعب حقه في تمثيل وطنه، فإن كل طبيب مغربي، أو مهندس، أو باحث، أو مفكر يعمل في الخارج هو أجنبي ومشكك في مغربيته، وكل مواطن هاجر طلباً للعلم أو الرزق يجب إسقاط جنسيته، فهل يقول بهذا عاقل يملك ذرة من وعي؟ والمثير للغثيان في هذه الشيزوفرينيا، أن هؤلاء المنتقدين أنفسهم هم أول من يفاخر ويتبجح بجاليتهم حين تحقق ولو انجازا بسبطا.
إن المنتخب الوطني —وليفهم هذا من لم يستوعب بعد— ليس منتخب “البطولة المحلية”، بل هو منتخب الأمة المغربية أينما وجد أبناؤها وحيثما نبتت جذورهم، فالمغرب لم يكن يوماً حدوداً جغرافية مسيجة بالأسلاك، بل هو تاريخ، وهوية، وذاكرة، وأسرة واحدة ممتدة عبر القارات الخمس، ومن يختزل الوطنية في رخصة مزاولة أو عقد عمل داخل الحدود، فقد أبان عن قصور حاد في فهم معنى الوطن؛ فالوطن ليس رخصة إقامة، بل هو جينات لا تقتلعها المسافات، وهوية لا تمحوها جوازات السفر المتعددة، ووفاء مطلق يظهر في أوقات الاختيار الصعب. وخلاصة القول، لقد اختار هؤلاء الشباب المغرب حين شُرّعت في وجوههم أبواب إغراءات العالم، وهذا وحده كافٍ لإسكات كل المزايدات العفنة، أما من لا يزال يصر على رؤيتهم كـ “أجانب”، فالمشكلة قطعاً ليست في اللاعبين، بل في مفهومه الضيق والمنفصم للوطنية.
قم بكتابة اول تعليق