موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع
منذ آلاف السنين كان المسرح مرآة المجتمع وصدى لنبض الإنسان. ففي الأغورا اليونانية القديمة كما في الساحات الشعبية العربية شكّل المسرح فضاء للتعبير والتفكير والتربية، وليس مجرد ترفيه. إنه “مدرسة الحياة” كما وصفه أنطونان آرتو، لأنه يمكّن الفرد من التعرف على ذاته، ويعيد تشكيل شخصيته عبر تجربة عميقة تتداخل فيها الأبعاد النفسية والاجتماعية.
المسرح وبناء الثقة بالنفس
الخوف من الوقوف أمام الجمهور يُعد من أكثر المخاوف الإنسانية شيوعا. وهنا يأتي المسرح ليكسر هذا الحاجز. فعبر التمارين المسرحية – من الإلقاء إلى التحكم في التنفس، ومن الارتجال إلى التمثيل… يكتشف الفرد أنه قادر على السيطرة على توتره والتعبير بحرية.
يقول المخرج قسطنطين ستانسلافسكي: “الثقة على المسرح تأتي من الصدق مع الذات أولا، ثم من الصدق في عيش الدور”، وهو ما يفسر كيف يساعد المسرح الممثل والمتعلم معا على إعادة برمجة صورته الذاتية بشكل إيجابي.
المسرح كمنصة لتشكيل الشخصية
المسرح ليس مجرد لعب أدوار، بل هو مختبر نفسي اجتماعي. فكل شخصية يُؤديها الممثل هي تجربة وجودية جديدة:
* حين يعيش دور الحكيم يتعلم التوازن.
* حين يجسد الفقير يكتسب حس التعاطف.
* حين يمثل شخصية قيادية يتدرب على الحزم واتخاذ القرار.
هذا التنقل بين الأدوار يعزز ما يسميه علماء النفس بـ”المرونة النفسية”، أي قدرة الفرد على التكيف مع مواقف الحياة المتغيرة. ومن هنا نفهم المقولة الشهيرة لإريك فروم: “الفن ومنه المسرح يعيد للإنسان إنسانيته لأنه يعلمه كيف يرى نفسه والآخرين بعين جديدة”.
البعد السوسيونفسي للمسرح
من منظور سوسيونفسي المسرح يعالج الفرد ضمن شبكة العلاقات التي ينتمي إليها فهو يوازن بين:
* الفرد: من خلال تحرير طاقاته المكبوتة وتدريب عقله وجسده على التعبير.
* الجماعة: عبر خلق تجربة مشتركة قائمة على التعاون، الإصغاء والتنسيق بين الممثلين والجمهور.
وبذلك يصبح المسرح جسرا يعيد بناء الثقة بين الفرد وذاته وبين الفرد ومجتمعه.
المسرح كأداة للتربية والعلاج
1. في المدارس
حين ينخرط التلاميذ في الأنشطة المسرحية يكتسبون مهارات لا توفرها المناهج التقليدية: الجرأة في التعبير، القدرة على الحوار، ضبط الانفعالات والعمل الجماعي.
وقد أثبتت تجارب تربوية أن المسرح المدرسي يقلل من السلوكيات العدوانية، ويعزز التفاعل الإيجابي بين التلاميذ.
2. في المجال العلاجي
ظهر المسرح العلاجي (Drama Therapy) كفرع مهم في العلاج النفسي، حيث يُستخدم لمساعدة الأفراد على مواجهة صدماتهم. فتمثيل تجربة مؤلمة بشكل رمزي يمنح المريض فرصة للسيطرة عليها بدل أن تبقى عبئا داخليا. وتؤكد الباحثة Sue Jennings أن “المسرح العلاجي يعيد للإنسان صوته المفقود، ويمنحه أداة لترميم ذاكرته الصدمية”.
3. في المجتمع
المسرح ليس فقط للفرد، بل هو فعل جماعي يعيد بناء الذاكرة المشتركة. فالعروض التفاعلية التي تناقش قضايا اجتماعية مثل العنف، الهجرة، المساواة… تمنح الجمهور فرصة للمشاركة في الحلول، مما يرفع من وعيه الجمعي ويعزز حس المسؤولية المشتركة.
المسرح ومهارات الحياة
من بين المهارات التي يصقلها المسرح:
* مهارة التواصل: عبر التحكم في نبرة الصوت، اختيار الكلمات واستخدام لغة الجسد.
* مهارة الإصغاء: إذ لا نجاح لأي عرض من دون تناغم بين الممثلين.
* الانضباط: لأن العمل المسرحي يعتمد على التزام جماعي صارم.
* الإبداع: من خلال القدرة على الارتجال وحل المشكلات بطريقة مبتكرة.
* الذكاء العاطفي: حيث يتعلم الفرد التعاطف مع الشخصيات التي يجسدها ومع زملائه في الأداء.
يقول أرسطو: “المسرح تربية للنفس عبر المحاكاة”، أي أنه يربي الفرد على مواجهة الحياة من خلال لعب أدوارها.
المسرح والتعافي من الخجل والقلق الاجتماعي
الخجل المفرط أو الرهاب الاجتماعي مشكلات نفسية متنامية. وهنا يُعتبر المسرح تدريبا عمليا فعالا، لأنه يضع الفرد تدريجيا أمام الآخرين في جوّ آمن، مما يعزز ثقته بنفسه ويخفف من توتره.
تجارب عدة أثبتت أن المشاركين في ورش المسرح أصبحوا أكثر قدرة على إلقاء العروض، التحدث أمام الجمهور والتعبير عن آرائهم بحرية.
المسرح كفضاء للتجديد الإنساني
المسرح ليس مجرد فن جميل، بل هو عملية تربوية وعلاجية عميقة، قادرة على إعادة بناء شخصية الفرد على أسس من الثقة، الجرأة والوعي بالذات والآخر. ومن منظور سوسيونفسي يشكل المسرح مختبرا لتلاقي الفردي بالجماعي، والنفسي بالاجتماعي، مما يجعله أداة مركزية في صناعة إنسان متوازن وقادر على العطاء.
يقول بيتر بروك المخرج البريطاني الكبير: “يكفي أن يجتمع شخص على خشبة وآخر أمامه حتى يولد المسرح، ومن هنا تبدأ إمكانية التغيير”.
قم بكتابة اول تعليق