موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع
في بعض البيئات الاجتماعية، قد يبدو الأمر مربكا إلى حدّ السؤال: لماذا يحظى الإنسان القاسي بمساحة أكبر من الاحترام؟ ولماذا يتردد البعض في تجاوز حدود شخص صريح في عدوانيته، بينما يتجرأون على الشخص الهادئ، المتسامح والذي يراعي مشاعر الآخرين؟
من هنا تولد الفكرة الخطيرة: ربما ينبغي أن أصبح شريرا حتى يحترمني الناس.
هذه الفكرة تستحق التفكيك لأنها تكشف خللا أعمق في فهمنا للهيبة والحدود والاحترام، وتكشف أيضا عن منظومة اجتماعية قد تمنح بعض أشكال السلوك العدواني مكافآت رمزية سريعة.
حين يُساء تفسير الطيبة
الشخص المتسامح الذي يسكت كثيرا، ويمنح فرصا متكررة، ويتجنب الصدام، قد يتحول في نظر بعض المحيطين به إلى شخص يمكن اختبار حدوده باستمرار.
هنا يحدث التحول النفسي الخطير: التسامح يفقد معناه عندما يُفهم اجتماعيا باعتباره عجزا عن الرد.
في علم النفس الاجتماعي، يرتبط احترام الآخرين بوضوح الحدود، وبمدى اتساق الفرد في التعبير عن حقوقه ومواقفه. الإنسان الذي يقول “لا” عندما ينبغي أن يقولها، ويعبّر عن رفضه دون حاجة إلى إهانة أحد، يرسل رسالة واضحة حول حدود التعامل معه.
أما حين تصبح الحدود مرنة بصورة مفرطة، فقد يتعلم بعض الأشخاص المحيطين أن تجاوزها لن تكون له تكلفة اجتماعية أو نفسية تذكر.
وهكذا لا تكون المشكلة دائما في طيبة الإنسان، وإنما في غياب الحدود التي تحمي هذه الطيبة.
لماذا يخاف البعض من الشر أكثر مما يحترمون القوة الأخلاقية؟
الخوف استجابة سريعة. فيكفي أن يعرف المحيطون أن شخصا ما ينتقم، يفضح، يهدد، يصرخ أو يؤذي حتى يعيدوا حساباتهم في التعامل معه.
لكن هذا النوع من “الاحترام” يحتاج إلى تدقيق في التسمية.
قد يكون ما نسميه احتراما هو في الواقع امتثالا للخوف.
وهنا تظهر واحدة من أكثر الظواهر الاجتماعية التباسا: المجتمع قد يمنح الشخص العدواني هيبة مؤقتة لأنه يتوقع منه العقاب، بينما يحتاج الشخص المتزن إلى وقت أطول حتى تُكتشف قوته الحقيقية.
فالقوة العدوانية تفرض نفسها بسرعة. أما القوة النفسية فتحتاج إلى نضج كي تُقرأ.
من أين يأتي هذا السلوك اجتماعيا؟
تساهم التنشئة الاجتماعية في تشكيل الطريقة التي نفهم بها القوة.
ففي بعض البيئات، يتعلم الطفل منذ الصغر أن رفع الصوت يمنح صاحبه سلطة، وأن القسوة تمنع الآخرين من الاقتراب، وأن التراجع أمام الخصم علامة ضعف، وأن الاعتذار قد يُفهم باعتباره هزيمة.
ومع مرور الزمن، قد تنتقل هذه القواعد غير المكتوبة إلى علاقات العمل والصداقة والأسرة وحتى العلاقات العاطفية.
فيصبح الإنسان أمام نموذج اجتماعي مضلل:
كلما كنت أكثر قسوة، ازدادت قدرتك على حماية نفسك.
وهذا الاعتقاد قد يدفع بعض الأشخاص إلى صناعة شخصية عدوانية دفاعا عن الذات، حتى عندما لا تكون العدوانية جزءا أصيلا من شخصيتهم.
السوسيولوجيا تقول شيئا مهما: العلاقات تحكمها الحدود
العلاقات الإنسانية ليست مجرد مشاعر؛ إنها أيضا شبكة من التوقعات والقواعد والحدود.
فكل علاقة تحمل ضمنيا سؤالا: إلى أي مدى يمكنني أن أقترب منك؟ ماذا تقبل مني؟ ماذا ترفض؟ ماذا يحدث إذا تجاوزت حدودك؟
فعندما تكون الإجابات غامضة، تبدأ عملية اختبار الحدود.
فقد يبدأ الأمر بمزحة جارحة، ثم تعليق مهين، ثم تدخل في الخصوصية، ثم استغلال للتسامح، ثم يتحول الأمر إلى نمط مستقر من التعامل.
والطرف الذي يسمح بهذا النمط دون إعادة ضبط الحدود قد يجد نفسه مع الوقت في موقع اجتماعي لم يختره.
لهذا فإن الحزم وظيفة اجتماعية، وليس مجرد سلوك شخصي.
هناك إذن فرق بين أن تكون شريرا وأن تكون صعب التجاوز وهذا هو جوهر المسألة.
فلا تحتاج إلى أن تؤذي الناس حتى يحترموك.
ولا تحتاج إلى أن تصبح كاذبا حتى لا يكذبوا عليك.
بل لا تحتاج إلى أن تخون حتى لا يخونوك.
كما أنك لا تحتاج إلى أن ترفع صوتك حتى يسمعوك.
ولا تحتاج إلى أن تصبح قاسيا كي يدرك الآخرون أنك قادر على حماية نفسك.
فكل ما تحتاجه هو بناء شخصية تمتلك حدودا واضحة، وقرارا مستقلا، وقدرة على المواجهة، واستعدادا لتحمل نتائج مواقفها.
فأن تقول: “هذا الأسلوب غير مقبول بالنسبة إلي.”
ثم تتصرف وفق هذه الجملة.
* أن تنسحب عندما يصبح الاستمرار استنزافا.
* أن توقف العلاقة عندما يتحول التواصل إلى أذى متكرر.
* أن ترفض الاستغلال دون حاجة إلى الانتقام.
* أن تواجه الكذب بالوضوح.
* أن تحمي خصوصيتك.
* أن تعرف متى تمنح فرصة جديدة، ومتى تنهي دائرة كاملة.
هذه كلها أشكال من القوة النفسية.
لماذا يُستفز الإنسان الهادئ أحيانا؟
لأن الهدوء قد يُساء تفسيره. فهناك أشخاص يقرأون صمت الآخر باعتباره موافقة، وتسامحه باعتباره خوفا، ورقيه باعتباره عجزا عن الرد.
وحين يكتشفون لاحقا أن ذلك الشخص يمتلك حدودا، قد يشعرون بالمفاجأة.
وهنا تأتي أهمية الحزم الهادئ. ذاك الحزم الذي لا يحتاج إلى مسرح.
فقد يكون جملة واحدة،
وقد يكون قرارا، قد يكون انسحابا، وقد يكون تغييرا في طريقة التعامل…
وأحيانا تكون أقوى رسالة يمكن أن يرسلها الإنسان هي أن يتوقف عن منح السلوك المؤذي المساحة التي كان يمنحها سابقا.
الاحترام الحقيقي لا يحتاج إلى ضحايا
الشخص الذي يحتاج إلى تخويف الآخرين حتى يشعر بقيمته يعيش غالبا داخل منظومة نفسية تحتاج إلى الاعتراف الخارجي بالقوة. فكلما أخاف شخصا شعر أنه أقوى،
وكلما أخضع شخصا شعر أنه أكثر قيمة، وكلما امتلك قدرة على إيذاء الآخرين شعر أن موقعه الاجتماعي أكثر أمانا.
وهذه آلية هشة لأن قيمته تصبح مرتبطة باستمرار الآخرين في الخوف منه.
أما الناضج نفسيا فيبني احترامه على الكفاءة، الاتساق، الوضوح، القدرة على تحمل المسؤولية وعلى احترام الذات.
لهذا فإن الهيبة الحقيقية لا تحتاج إلى ضحية.
ماذا يحدث عندما يصبح الشر استراتيجية اجتماعية؟
إذا اقتنع الإنسان بأن القسوة هي الطريق الوحيد إلى الاحترام، فقد يبدأ بتغيير سلوكه بصورة تدريجية. يصبح أكثر شكا، أقل تسامحا، أسرع غضبا، أكثر استعدادا للانتقام.
فيبدأ بتفسير العلاقات باعتبارها صراع قوة.
وقد تتحول الحياة الاجتماعية كلها إلى سؤال واحد: من يسيطر على من؟
وهنا يخسر الإنسان شيئا ثمينا وهي قدرته على بناء علاقات آمنة.
لأن الشخص الذي يتعلم أن يحمي نفسه بالإيذاء قد يصبح عاجزا عن التمييز بين الحزم والعدوان، وبين حماية الذات ومعاقبة الآخرين.
القوة الأكثر نضجا
القوة النفسية لا تعني أن تكون الشخص الذي يخشاه الجميع. بل تعني أن تكون الشخص الذي يعرف الجميع حدوده.
فهناك فارق عميق بين الأمرين. ففي الحالة الأولى، يحتاج حضورك إلى تهديد. وفي الثانية، يكفي وضوحك.
فالأولى تصنع مسافة من الخوف، أما الثانية فتصنع مساحة من الاحترام.
ولهذا يمكن للإنسان أن يكون طيبا دون أن يكون مستباحا، ومتسامحا دون أن يكون ساذجا، وهادئا دون أن يكون ضعيفا، ورحيما دون أن يسمح لأحد بتحويل رحمته إلى مورد للاستغلال.
الخلاصة
ربما السؤال الأعمق ليس: هل يجب أن أكون شريرا كي أحظى بالاحترام؟
وإنما: لماذا سمحتُ لبعض البيئات أن تقنعني بأن الاحترام لا يأتي إلا عبر القسوة؟
نحن لا نحتاج إلى صناعة مزيد من الأشخاص القادرين على إيذاء بعضهم حتى يشعروا بالقوة.
بل نحتاج إلى أشخاص يعرفون قيمة أنفسهم، يمتلكون حدودا واضحة، يعرفون كيف يواجهون التجاوز، كيف يغادرون العلاقات المؤذية وكيف يقولون “كفى” في اللحظة التي يصبح فيها الصمت شراكة مع الأذى.
كن إنسانا طيبا، لكن لا تجعل طيبتك بلا حدود.
كن متسامحا، لكن لا تجعل التسامح عقدا مفتوحا لاستنزافك.
كن هادئا، لكن اجعل هدوءك مصحوبا بقدرة واضحة على اتخاذ القرار.
فالاحترام الذي يُنتزع بالخوف يحتاج إلى خوف دائم كي يستمر.
أما الاحترام الذي يُبنى على الشخصية والحدود والاتساق، فيستمر حتى في غيابك.
قم بكتابة اول تعليق