لم يكن الخلاف الذي صاحب أولى مشاورات إعداد الحكومة مجرد خلاف عادي حول مكان اللقاء، بل تحول إلى اختبار رمزي لطريقة تدبير العلاقة بين الخصومة السياسية ومتطلبات المرحلة المؤسساتية. فبعد تكليف فاطمة الزهراء المنصوري برئاسة الحكومة يوم 29 شتنبر، انطلقت مشاوراتها من مقر حزب الأصالة والمعاصرة بالرباط، حيث استقبلت عدة قيادات حزبية.
لكن التواصل مع عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، اتخذ منحى آخر. وحسب رواية بنكيران، اقترحت المنصوري عقد اللقاء في مقر المشاورات، فرد عليها بقوله: «إلا بغيتي تشوفيني، أنتِ آجي عندي»، لينتهي الأمر من دون لقاء، في وقت كان الحزب قد حسم قراره بالبقاء في المعارضة وعدم الانضمام للحكومة المرتقبة.
من الناحية المبدئية، لا يثير قرار العدالة والتنمية البقاء في المعارضة أي إشكال، فهو خيار سياسي شرعي، ولا يعني أن الحزب ملزم بالمشاركة في حكومة يقودها الأصالة والمعاصرة. لكن الجدل الحقيقي يدور حول السياق الذي وقعت فيه هذه الحادثة. فالمنصوري، في هذه المرحلة، لم تكن تتحرك فقط كقيادية حزبية، بل أيضًا كرئيسة حكومة مكلفة بإعداد الحكومة، ما أعطى لمكان المشاورات بعدًا يتجاوز البروتوكول، خاصة أن أحزابًا أخرى، رغم اختلافها السياسي مع الأصالة والمعاصرة، حضرت إلى المقر نفسه وشاركت في المشاورات.
أما بنكيران، فقد استند إلى تجربته سنة 2011، عندما كان رئيسًا للحكومة مكلفًا وتحرك للقاء عدد من القيادات السياسية. غير أن استحضار تلك التجربة لا يحسم النقاش، لأن الأهم اليوم هو التمييز بين حق الحزب في رفض المشاركة، وبين طريقة تعامله مع مسار إعداد الحكومة.
في هذا الإطار، جاء رد المنصوري مختصرًا، إذ أكدت أن المشاورات مفتوحة للجميع، وأن الوطن هو الجامع بين مختلف الأحزاب، متجنبة الدخول في جدال شخصي.
وتكشف الحادثة عن قضية تتجاوز حق المعارضة كخيار سياسي، فمشاورات إعداد الحكومة تبقى جزءًا من مسار مؤسساتي انطلق بالتكليف الملكي. لذلك، فإن الخلاف حول المكان اكتسب دلالة رمزية، لأنه وضع العلاقة بين الخصومة الحزبية ومتطلبات المرحلة المؤسساتية أمام أول اختبار علني.
وعليه، يبقى موقع كل حزب واضحًا: المشاركة خيار، والمعارضة خيار آخر. أما الحفاظ على قنوات الحوار واحترام الإطار المؤسساتي، فيفترض أن يظل فوق الخلافات المرتبطة بالمواقع والحسابات الحزبية.
قم بكتابة اول تعليق