الأرشفة الرقمية… السبيل إلى إنقاذ ذاكرة الصحافة الوطنية من الاندثار

موند بريس : البودالي نعيمة 

تُعد الجرائد الورقية من أهم مصادر التوثيق التاريخي، إذ تشكل مرجعاً أساسياً للباحثين والمؤرخين والطلبة، لما تتضمنه من رصد يومي للأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. فهي ليست مجرد أوراق مطبوعة، بل ذاكرة وطن تحفظ تفاصيل المراحل التي مرت بها المجتمعات.

وتبرز جريدة الاتحاد الاشتراكي باعتبارها واحدة من أبرز التجارب الصحفية في المغرب، حيث لعبت منذ انطلاقتها دوراً محورياً في مواكبة التحولات السياسية والفكرية، والدفاع عن قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية التعبير. كما شكلت، خلال سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، مرجعاً صحفياً وثقافياً مهماً، واستطاعت أن تحجز مكانة بارزة ضمن أكثر الصحف المغربية انتشاراً وقراءة.

غير أن هذا الإرث الصحفي الثمين يواجه اليوم خطر الاندثار. فداخل قسم الأرشيف بالجريدة ترقد مجلدات ضخمة يعلوها الغبار، تضم بين صفحاتها آلاف المقالات والتحقيقات والافتتاحيات التي وثقت مرحلة مفصلية من تاريخ المغرب. وقد تركت عوامل الزمن آثارها الواضحة على هذه الأعداد، بعدما تعرض بعضها للرطوبة والتلف وحتى لقضم القوارض، في مشهد يعكس هشاشة الذاكرة الورقية أمام تقلبات الزمن.

ولا يقتصر الأمر على تدهور الحالة المادية للأرشيف، بل يمتد أيضاً إلى غياب الموارد البشرية الكفيلة بصيانته، بعد إحالة المسؤول عن الأرشيف على التقاعد دون تعويضه، وهو ما زاد من صعوبة الحفاظ على هذا الرصيد الوثائقي.

ويجد الباحثون أنفسهم مضطرين إلى قضاء ساعات طويلة بين رفوف الأرشيف بحثاً عن عدد أو مقال معين، في حين كان بالإمكان الوصول إلى المادة المطلوبة في ثوانٍ معدودة لو كانت مؤرشفة رقمياً.

وتزداد الحاجة اليوم إلى إطلاق مشروع وطني للأرشفة الرقمية بأثر رجعي يشمل أعداد الصحف الصادرة خلال السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، خاصة أن الأرشفة الرقمية لم تبدأ إلا مع مطلع الألفية الجديدة، مما جعل جزءاً كبيراً من الذاكرة الصحفية المغربية خارج دائرة الحفظ الرقمي.

إن رقمنة هذا الأرشيف لا تمثل مجرد عملية تقنية، بل هي استثمار في الذاكرة الوطنية، يضمن حماية التراث الصحفي من الضياع، ويسهل ولوج الباحثين والطلبة والمؤرخين إلى المصادر الأصلية، كما يحافظ على إنتاج أجيال من الصحفيين والمثقفين الذين ساهموا في توثيق التحولات السياسية والثقافية والفكرية التي عرفها المغرب.

فالخطر الحقيقي لا يهدد الورق وحده، بل يهدد ذاكرة وطن بأكمله. فكل عدد من هذه الجرائد يمثل وثيقة تاريخية متكاملة، تحفظ نبض المجتمع وتوثق مساره، وتستحق أن تُصان للأجيال القادمة عبر مشروع وطني شامل للأرشفة الرقمية، يحول هذا الإرث من رفوف مهددة بالتلف إلى ذاكرة رقمية خالدة في متناول الجميع.

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد