موند بريس / بقلم: ذ. عبد الله بوحنش
تتحرك في البنية الديمقراطية الحديثة معضلة صامتة تكاد تعصف بجوهر التمثيل الشعبي، وتتجلى بوضوح فيما يمكن تسميته بـ “الترندالانتخابي” هذا المفهوم يعكس بمرارة الانتقال الحاد من شرعية الكفاءة والنضال الفكري إلى شرعية الخوارزمية ولغة الأرقام ونسب المشاهدة. وإذا كان حق الترشح مكفولاً قانوناً لكل مواطن، فإن العقل والمنطق يفرضان توفر مواصفات خاصة ترتبط بسلوكه، وأخلاقه، وثقافته، وتدرجه في المسؤولية الحزبية. ومع ذلك، اندفعت بعض الأحزاب السياسية نحو خيار الاستقطاب الهجين، مستبدلةً المناضل المتمرس ب”المؤثر الرقمي” الذي لا يملك من الرصيد سوى شاشة هاتف وحشود من المتابعين الافتراضيين، لا لشيء سوى لضمان مقاعد برلمانية سريعة الربح، مما يطرح علامات استفهام مقلقة حول الأبعاد النفسية والاجتماعية والقيمية لهذه الظاهرة، وأثرها المباشر على تدبير الشأن العام.
نفسياً، تتأسس العلاقة بين المؤثر الرقمي والجماهير على ما يُعرف في سيكولوجيا الإعلام بـ “العلاقات شبه الاجتماعية”، وهي روابط أحادية الطرف يشعر فيها المتابع بألفة وهمية مع المؤثر. وحين تجند الأحزاب هؤلاء المؤثرين، فهي تحاول استثمار هذا التعاطف العاطفي اللحظي وتحويله إلى سلوك تصويتي عقلاني، وفي ذلك مغالطة كبرى.
فالمؤثر في جوهره كائن سيكولوجي محكوم برغبة الجماهير وبإملاءات الخوارزمية: إنه يقتات على إرضاء المتابعين لضمان استمرار تفاعلهم، مما يمنحه القدرة على التأثير السطحي فيهم، لكنه يحرمه بنيوياً ونفسياً من القدرة على التأثر بانتظاراتهم الحقيقية وهضم مطالبهم العميقة.
السياسي الحقيقي يحتاج صرامة نفسية لمواجهة الناس بالحقائق والبدائل الاقتصادية والاجتماعية المعقدة، بينما المؤثر مدفوع غريزياً لتقديم “الإبهار البصري”، مما ينتج في النهاية نائباً برلمانياً يبحث عن التفاعل الرقمي والـ “لايك” أكثر مما يبحث عن جودة النص القانوني.
هذا التحول الفكري ينقلنا مباشرة إلى البعد الاجتماعي والقيمي، حيث يمكن قراءة الظاهرة كأحد تجليات “مجتمع الاستعراض” بتعبير الفيلسوف (غي ديبور)، وسيادة “نظام التفاهة” الذي يفككه (ألان دونو). لقد حدثت إزاحة قيمية خطيرة تم بموجبها إقصاء “المثقف العضوي” الذي يتشرب قضايا المجتمع عبر الاحتكاك الميداني والتدافع الفكري، لصالح “الإنسان المشهدي”. في هذا المناخ الجديد، يتراجع الرصيد الأخلاقي والثقافي والتاريخ النضالي إلى مرتبة ثانوية أمام “رأس المال الرقمي”. تصبح النجومية والقدرة على صناعة الإثارة هي المعيار الأساسي لصلاحية الفرد لتدبير الشأن العام، مما يؤدي إلى ابتذال العمل السياسي وتحويله من رسالة أخلاقية لبناء المجتمع إلى مجرد منتج تجاري يخضع لآليات التسويق وأدوات الجذب البصري.
إن انعكاسات “الترند الانتخابي” على تدبير الشأن العام تتجاوز مجرد تشويه المشهد السياسي لتضرب كفاءة المؤسسات التشريعية في مقتل. فالبرلمان ليس منصة لعرض المواهب أو إلقاء الخطب الحماسية الفارغة، بل هو مؤسسة دستورية تتطلب إلماماً عميقاً بالقانون، والاقتصاد، وتقنيات صياغة السياسات العمومية. عندما تملأ الأحزاب مقاعدها بمؤثرين يفتقرون للخلفية المعرفية والتكوين السياسي، تصاب الوظيفة التشريعية بالشلل، ويتحول هؤلاء المشرعون المفترضون إلى أدوات صامتة للتصويت أو إلى كائنات تبحث عن البهرجة الإعلامية داخل قبة البرلمان. هذا العجز التدبيري يعمق الهوة بين المواطن ومؤسسات الدولة، حيث يصاب الشارع بنفور سياسي عارم حين يرى قضاياه المصيرية معلقة بين أيدي من اعتادوا اختزال الأزمات المعقدة في مقاطع فيديو عابرة، مما يرفع من معدلات المقاطعة ويكرس رداءة النخب.
إن لجوء بعض الهيئات السياسية إلى استيراد مرشحيها من فضاءات “السوشيال ميديا” يمثل اعترافاً ضمنياً بإفلاسها التنظيمي وعجزها عن تفريخ نخب حقيقية من رحم مقراتها ومبادئها. إن الديمقراطية التي تحتفي بصندوق الاقتراع دون الاكتراث بجودة وعمق المعروض السياسي هي ديمقراطية تدمر نفسها ذاتياً. المرشح للانتخابات التشريعية ليس سلعة تحتاج إلى مروج، بل هو مؤتمن على سيادة أمة ومستقبل أجيال. وإذا استمرت صناعة النخب السياسية في الانصياع الأعمى لمنطق الترند والخوارزميات، فإننا لن نحصل على مجالس تمثل الإرادة الشعبية الواعية، بل سنحصل على برلمانات لتوليد المحتوى؛ وبين تدبير الشأن العام الرصين وصناعة المحتوى الرقمي بون شاسع وفارق جوهري يحدد المسافة الفاصلة بين مؤسسات الدولة الحقيقية ومظاهر العبث السياسي المعاصر.
قم بكتابة اول تعليق