موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع
حين تدق عقارب الساعة معلنة نهاية سنة وبداية أخرى، لا يكون الحدث مجرد انتقال زمني محايد، بل طقسا اجتماعيا كثيف الرمزية، مشحونا بالانتظارات والإسقاطات والقلق المقنّع. رأس السنة في ظاهره احتفال وفي عمقه لحظة مواجهة صامتة مع الزمن، ومع ما أنجزناه أو أخفقنا فيه، ومع ما نرجوه أو نخافه. من هنا تنبع أهمية تفكيك هذا الحدث تفكيكا نفسيا واجتماعيا يقرأ ما وراء الضجيج، ويصغي إلى ما لا يُقال.
الزمن كضغط نفسي لا كمعطى محايد.
في الوعي الجمعي يُقدَّم الزمن في رأس السنة كصفحة بيضاء، غير أن النفس لا تتعامل معه كذلك. فالزمن هنا يتحول إلى محكٍّ قاسٍ للمقارنة: مقارنة الذات بذاتها عبر السنوات، وبالآخرين عبر ما يعرضونه من صور إنجاز وبهجة. هذه المقارنة تولّد توترا داخليا يتراوح بين الإحساس بالتقصير والخوف من التكرار. وهنا يتشكل ما يمكن تسميته بـقلق العدّ التنازلي حيث يصبح الزمن خصما لا إطارا.
الفرح كالتزام اجتماعي (متلازمة الفرح المُستعار).
في المقاربة السوسيونفسية لا يُفهم الفرح في رأس السنة بوصفه انفعالا تلقائيا دائما، بل غالبا واجبا اجتماعيا حيث تُفرض طقوس الفرح من الخارج، الابتسامة، السهر، المشاركة، النشر على المنصات… ومن لا يشارك يبدو نشازا. هكذا ينشأ الفرح المُستعار، فرح نؤديه لأن الجماعة تنتظره لا لأننا نعيشه حقا. ويترتب عن ذلك انقسام داخلي بين ما نشعر به فعلا وما نظهره وبما يحمله من إنهاك نفسي.
التفاؤل القسري ووهم البداية الجديدة.
يُعاد إنتاج خطاب جاهز مع كل رأس سنة: «سنة جديدة، حياة جديدة». هذا الخطاب رغم طابعه التحفيزي يحمل وجها آخر ألا وهو التفاؤل القسري. فالمجتمع يضغط نحو الإيجابية المطلقة، ويُجرّم التردد، الحزن والبطء. نفسيا تتحول القرارات الكبرى (التغيير، النجاح، الانضباط) إلى وعود آنية غير متجذّرة في وعي الذات فتنهار سريعا ويحلّ محلها شعور بالفشل والذنب.
رأس السنة ومنطق المقارنة الرقمية.
في المقاربة السوسيواجتماعية تلعب الشبكات الاجتماعية دورا مركزيا في إعادة تشكيل معنى الاحتفال. حيث تتحول المنصات إلى مسارح للفرح المعروض: سفر، هدايا، علاقات، إنجازات… وهذا العرض المستمر يعمّق متلازمة المقارنة الاحتفالية حيث يُقاس الفرح كما تُقاس السلع. والنتيجة شعور بالحرمان النسبي حتى لدى من يعيشون حياة مستقرة، لأن المقارنة لا تعترف بالسياق ولا بالخفي.
الضجيج كآلية هروب (متلازمة الضجيج الهروبي).
الاحتفال الصاخب قد لا يكون تعبيرا عن الفرح بقدر ما هو هروب من الصمت. فالصمت يوقظ الأسئلة المؤجلة: ماذا عن المعنى؟ عن الوحدة؟ عن الخيارات التي لم تُحسم؟ الضجيج هنا يعمل كآلية دفاعية جماعية تُسكِت القلق مؤقتا دون معالجته. وما إن ينقضي الاحتفال حتى يعود الصمت أثقل.
بين الطقس الاجتماعي والتجربة الفردية.
من منظور سوسيواجتماعي يؤدي الاحتفال وظيفة الاندماج والتماسك، إنه طقس يعيد ربط الأفراد بالجماعة. غير أن هذه الوظيفة حين تُفرَغ من معناها الإنساني قد تطغى على التجربة الفردية، فتُهمَّش الفروق النفسية والظروف الشخصية. هنا يتوتر التوازن بين «ما يُنتظر مني» و«ما أحتاجه فعليا».
نحو وعي أهدأ بالزمن.
ليس المطلوب نزع الشرعية عن الاحتفال، بل تحريره من القسر. أن نسمح للفرح أن يكون خيارا لا فرضا، وللصمت أن يكون مقبولا، وللزمن أن يُعاش كمسار لا كمحاكمة. رأس السنة يمكن أن يكون لحظة وعي، لا لحظة إنكار، لحظة مصالحة مع الذات، لا سباقا مع صورة مثالية مفروضة.
بهذا المعنى يصبح الاحتفال بالزمن فعلَ وعيٍ لا طقسَ هروب، وتتحول البداية الجديدة من شعار عابر إلى مسار إنساني متدرّج، أكثر رحمة بالنفس وأكثر صدقا مع الواقع.
قم بكتابة اول تعليق