من اقتناء السلاح إلى صناعة التكنولوجيا الدفاعية.. المغرب يوسّع رهانه على التصنيع العسكري ونقل الخبرة

موند بريس.

لم يعد النقاش حول تطوير القدرات الدفاعية للمغرب مرتبطاً فقط بحجم ونوعية المعدات العسكرية التي تقتنيها المملكة، بل بدأ يتجه بشكل متزايد نحو سؤال آخر: إلى أي حد يستطيع المغرب تحويل صفقات التسليح والشراكات الدولية إلى قاعدة صناعية وتكنولوجية محلية؟

هذا التوجه برز خلال السنوات الأخيرة من خلال مشاريع وشراكات مع شركاء دوليين، خصوصاً الولايات المتحدة وإسرائيل، شملت مجالات التدريب، والطائرات المسيرة، والابتكار والاختبار، إلى جانب مساعٍ لتطوير قدرات صناعية محلية في قطاع الدفاع. وتؤكد المعطيات الأمريكية الرسمية أن التعاون المغربي الأمريكي في 2026 اتجه أيضاً نحو اختبار وتطوير تكنولوجيات دفاعية داخل المملكة، وليس فقط التدريب التقليدي.

وفي هذا السياق، تشكل خارطة الطريق للتعاون الدفاعي للفترة 2026–2036 أحد الأطر التي يُراد من خلالها توسيع التعاون بين المغرب والولايات المتحدة، فيما يبرز مركز Africa Multidomain Training and Experimentation Center (AMTEC) في المغرب كمنصة تجمع بين التدريب واختبار التقنيات والابتكار. وتقول الجهات العسكرية الأمريكية إن المركز يضم ثلاثة مكونات رئيسية: منطقة للتدريب متعدد المجالات، وأكاديمية للمسيرات، ومركزاً للابتكار والتجريب.

ولم يعد دور المغرب في هذا المجال مقتصراً على استضافة التدريبات؛ ففي غشت 2026، شهد مركز AMTEC في طانطان أول تجربة إطلاق حيّ لصالح شركاء من قطاع الصناعات الدفاعية، في إطار اختبار وتقييم تقنيات جديدة، بما يعكس توجهاً نحو جعل المملكة فضاءً للتجريب والتطوير إلى جانب الاستخدام والتدريب.

ويبرز مجال الطائرات المسيرة بدوره كأحد أهم مسارات هذا التحول. ففي أبريل وماي 2026، احتضنت أكادير تدريبات متعددة الجنسيات على تشغيل وصيانة الطائرات المسيرة الصغيرة، بمشاركة عسكريين مغاربة وأمريكيين وغانا ونيجيريا، وشملت التدريبات الاستطلاع والتعرف على الأهداف والتخطيط للمهام والعمليات الليلية والحرب الإلكترونية.

أما التعاون مع إسرائيل، فتشير تقارير إعلامية دولية إلى وجود مسار صناعي مرتبط بالأنظمة غير المأهولة، من ضمنه منشأة مرتبطة بشركة BlueBird Aero Systems التابعة لـIAI لإنتاج منظومة SpyX في منطقة بنسليمان. وتظل بعض تفاصيل المشروع، وفق ما هو منشور علناً، محدودة من حيث طبيعة الإنتاج وحجمه ومستوى المشاركة المغربية.

وتكتسب هذه المشاريع أهمية إضافية من زاوية نقل المعرفة وبناء الكفاءات؛ فامتلاك المعدات المتطورة لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على تصنيعها أو صيانتها أو تطويرها. ومن هنا، يصبح التدريب المتخصص، واختبار الأنظمة، والهندسة، والصيانة، والأمن السيبراني، عناصر أساسية في بناء منظومة صناعية دفاعية أكثر تكاملاً.

كما يمكن للصناعة الدفاعية أن تتقاطع مع الخبرات الصناعية الموجودة أصلاً في المغرب، خصوصاً في قطاعات الطيران والإلكترونيات والهندسة والتصنيع الدقيق، وهو ما قد يفتح المجال أمام تطوير سلاسل توريد محلية واستقطاب استثمارات مرتبطة بالتكنولوجيات ذات القيمة المضافة المرتفعة.

وفي الجانب الرقمي، يكتسب الأمن السيبراني أهمية متزايدة مع اعتماد الجيوش الحديثة على الشبكات والاتصالات والبيانات والأنظمة غير المأهولة. لذلك فإن إدماج هذا المجال ضمن التعاون الدفاعي المغربي الأمريكي يعكس اتساع مفهوم القدرات العسكرية الحديثة ليشمل البنية الرقمية إلى جانب المعدات التقليدية.

وبذلك، فإن التحول الجاري لا يمكن قياسه فقط بعدد الأسلحة والطائرات والأنظمة التي تدخل الخدمة، وإنما أيضاً بمدى قدرة المغرب على توطين المعرفة، وتكوين المهندسين والتقنيين، وتطوير قدرات الاختبار والصيانة، وجذب الاستثمارات، وتحويل الشراكات الدفاعية إلى قدرات صناعية وتكنولوجية داخل المملكة.

ويبقى حجم هذا التحول الفعلي مرتبطاً بما ستكشفه المشاريع المعلنة خلال السنوات المقبلة من حيث الإنتاج المحلي، ونسب الإدماج، ونقل التكنولوجيا، وقدرة الشركات والمهندسين المغاربة على الانتقال من مرحلة الاستعمال إلى مراحل التطوير والتصنيع.

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد