موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع
توجد في كل المجتمعات تقريبا ظاهرة اجتماعية شديدة التعقيد تتمثل في تداول الكلام عن الغائبين، ونقل الأخبار المتعلقة بالآخرين، وتفسير مواقفهم، وتقييم سلوكهم داخل الجماعة. وقد اهتم علم النفس الاجتماعي وعلم الاجتماع بهذه الظاهرة لما تؤديه المعلومات المتداولة عن الأشخاص من دور في تشكيل السمعة، بناء الثقة، تحديد المكانة الاجتماعية وتنظيم العلاقات داخل الجماعات.
غير أن الظاهرة تأخذ منحى أكثر خطورة حين يتحول تداول الكلام إلى سلوك مقصود للإضرار بالآخر، حين تُنتزع الكلمات من سياقها، وتُضاف إليها تفاصيل مختلقة، وتُروى الأكاذيب في صورة حقائق، وتُلفق الاتهامات، وتُزرع الشكوك بين الأصدقاء والأقارب والزملاء، حتى تصبح العلاقة الإنسانية نفسها هدفا للتخريب.
هنا نغادر مجال الحديث العابر وندخل في منطقة يمكن قراءتها باعتبارها سلوكا عدوانيا غير مباشر، يستخدم اللغة والمعلومة والعلاقات الاجتماعية أدواتٍ للتأثير في الآخرين.
أولا: من النميمة الطبيعية إلى النميمة العدوانية
النميمة في ذاتها ليست ظاهرة أحادية الوظيفة. فقد بينت أبحاث في علم النفس الاجتماعي أن الحديث عن الآخرين قد يؤدي أحيانا وظائف تنظيمية داخل الجماعة، من بينها نقل معلومات عن السلوك، وتكوين الانطباعات عن السمعة، وتعزيز بعض المعايير الاجتماعية. وتكون هذه الوظائف أكثر ارتباطا بالنميمة حين تكون المعلومات دقيقة ومرتبطة بسياق اجتماعي حقيقي.
المشكلة تبدأ حين تدخل النية العدوانية إلى عملية تداول المعلومات.
في هذه الحالة يصبح الكلام وسيلة لإعادة تشكيل صورة شخص في أذهان الآخرين. وقد يأخذ ذلك أشكالا متعددة: تشويه السمعة، تضخيم الأخطاء، تفسير النوايا تفسيرا عدائيا، اختلاق الوقائع، إضافة معلومات غير صحيحة، أو استغلال أسرار شخصية في لحظة خصومة.
وتكشف الدراسات أن عدم دقة المعلومات المتداولة في النميمة ليس أمرا هامشيا، فقد وجدت مراجعة بحثية أن نسبة من عبارات النميمة في بعض الدراسات التجريبية كانت غير دقيقة، وهو ما يجعل تأثيرها على السمعة والتعاون الاجتماعي مسألة جدية.
ثانيا: الحقد باعتباره بنية نفسية للسلوك
الحقد لا يظهر عادة في صورة واحدة واضحة. قد يبدأ بشعور بالاستياء أو الغيرة أو المقارنة الاجتماعية، ثم يتحول مع الوقت إلى تفسير متكرر لنجاح الآخر باعتباره تهديدا للذات.
فالشخص الذي يعيش في مقارنة مستمرة قد يصبح شديد الحساسية تجاه المكانة الاجتماعية للآخرين: من يحظى بالاهتمام؟ من يحظى بالتقدير؟ من يملك شبكة علاقات قوية؟ من يُستمع إلى رأيه؟ من يتلقى فرصا أو اعترافا اجتماعيا؟
وحين تتضخم المقارنة، يمكن أن يصبح نجاح الآخر مصدرا للانزعاج النفسي.
في هذه المرحلة قد تظهر آلية دفاعية تقوم على خفض قيمة الآخر في المخيلة الاجتماعية. فإذا تعذر على الشخص أن يرفع مكانته بوسائل إيجابية، قد يحاول التأثير في مكانة شخص آخر عبر الكلام عنه.
وهنا يتحول الحقد من شعور داخلي إلى سلوك اجتماعي. يبدأ صاحبه بتفسير تصرفات الآخرين من خلال عدسة سلبية ثم يبحث عن الأدلة التي تؤكد حكمه السابق. وهذه الآلية ترتبط بما يعرف في علم النفس بالتحيز التأكيدي، حيث يميل الفرد إلى الانتباه إلى المعلومات التي تنسجم مع اعتقاداته السابقة، وإهمال ما يناقضها.
ولهذا قد يسمع الحاقد موقفا عاديا، فيمنحه تفسيرا عدائيا، ثم ينقله باعتباره دليلا على صفة سلبية في الشخص المستهدف.
ثالثا: لماذا يلجأ بعض الأشخاص إلى الكذب والتلفيق؟
يمكن قراءة هذا السلوك عبر مجموعة من الدوافع المتداخلة.
1. الحاجة إلى السيطرة الاجتماعية
فالمعلومة تمنح حاملها قوة داخل الجماعة. ومن يمتلك معلومات عن الآخرين يستطيع التأثير في مواقفهم وانطباعاتهم.
وعندما يستخدم شخص هذه القوة في صناعة الشك، فإنه يحاول التحكم في العلاقات من خلف الستار.
قد يقول لشخص:
“احذر من فلان لقد قال عنك كذا”
ثم يذهب إلى الشخص الآخر برواية مختلفة.
بهذه الطريقة يصبح هو المصدر المركزي للمعلومات بين الطرفين، وتصبح العلاقة بين الشخصين معتمدة على ما يسمح هو بمروره من معلومات.
إنها صورة من صور التحكم غير المباشر في العلاقات الاجتماعية.
2. تعويض الشعور بالنقص
قد يستخدم الإنسان تشويه الآخرين كآلية مؤقتة لترميم صورته الذاتية.
عندما ينجح في إقناع الآخرين بأن شخصا ما أقل قيمة، أو أقل أخلاقا، أو أقل استحقاقا للتقدير، قد يشعر لحظيا بأنه ارتفع في سلم المكانة.
لكن هذا الارتفاع قائم على إسقاط الآخر، ولذلك يحتاج صاحبه إلى تكرار العملية.
وكلما ارتفع شخص في محيطه الاجتماعي، شعر بالحاجة إلى خفضه.
3. الغيرة والمقارنة الاجتماعية
تؤكد الأدبيات النفسية والاجتماعية أهمية المقارنة في تشكيل تقييم الفرد لذاته ومكانته. وعندما تصبح المقارنة مؤلمة، قد يتحول نجاح الآخر إلى مصدر تهديد للهوية الذاتية.
في هذه الحالة يمكن أن يصبح تشويه السمعة محاولة لاستعادة التوازن النفسي.
4. الانتقام غير المباشر
بعض الأشخاص لا يملكون القدرة أو الرغبة في المواجهة المباشرة، فيلجؤون إلى العدوان غير المباشر.
ويكون الهدف إلحاق الضرر مع الحفاظ على صورة الشخص المسالم أمام الآخرين.
وهنا يصبح اللسان أداة عدوان، والعلاقة الاجتماعية مسرحا للصراع.
رابعا: من الكلمة إلى تفكيك الشبكة الاجتماعية
الخطورة الكبرى في هذا السلوك أن الإنسان لا يستهدف فردا واحدا فقط.
فعندما تُشوه سمعة شخص داخل مجموعة، تتأثر شبكة كاملة من العلاقات.
الصديق يبدأ في الشك بصديقه.
الأخ يبدأ في تفسير كلام أخيه بطريقة مختلفة.
الزميل يعيد قراءة مواقف زميله من خلال الرواية التي سمعها.
وقد يبتعد شخص عن آخر دون أن يمنحه فرصة حقيقية للدفاع عن نفسه.
وهذا ما يجعل الظاهرة سوسيواجتماعية بامتياز.
فالمجتمع لا يقوم على الأفراد منفردين، بل على شبكة من الروابط والثقة والتبادل والتوقعات. والسمعة تؤدي دورا أساسيا في تنظيم هذه الشبكة. وقد أظهرت دراسات أن النميمة ترتبط فعلا بتكوين السمعة وتداولها داخل الجماعات والمنظمات.
وحين تكون المعلومات كاذبة، تصبح السمعة عرضة للتلاعب.
خامسا: صناعة “المثلث الاجتماعي”
من أكثر البنى شيوعا في هذا النوع من السلوك وجود ثلاثة أطراف:
* الشخص الناقل
* الشخص المستهدف
* الشخص المتلقي
الناقل يحتفظ بموقع الوسيط.
والمستهدف غائب عن الحوار.
والمتلقي يتلقى رواية أحادية المصدر.
هذه البنية تمنح الناقل مساحة واسعة للتأثير، لأن الشخص المستهدف لا يستطيع تصحيح المعلومات في لحظة تداولها.
ومع تكرار العملية قد يتحول الناقل إلى ما يشبه “المركز الخفي” للشبكة الاجتماعية.
فهو يعرف ماذا قيل هنا وماذا قيل هناك، ومن يختلف مع من، ومن يثق بمن.
وهذه المعرفة تمنحه شعورا بالقوة الاجتماعية.
سادسا: لماذا ينجح الكذب أحيانا؟
لا ينتشر الكذب دائما لأنه مقنع، وإنما قد ينتشر لأن الإنسان يتعامل مع المعلومات الاجتماعية بسرعة، خصوصا عندما تكون مرتبطة بالخوف أو الشك أو الفضول أو التهديد.
كما أن المعلومة السلبية عن شخص قد تترك أثرا أقوى في الانطباع من المعلومات الإيجابية عنه، لأن الإنسان يميل في مواقف كثيرة إلى إعطاء وزن أكبر للإشارات السلبية عند تقييم المخاطر الاجتماعية.
وهناك عامل آخر بالغ الأهمية: الثقة في مصدر المعلومة.
فإذا جاء الكلام من شخص قريب أو من شخص يبدو مطلعا، فقد يمنحه المتلقي مصداقية أكبر مما يستحق.
ومن هنا تظهر أهمية التفكير النقدي داخل العلاقات:
من قال؟ متى قيل؟ ما الدليل؟ هل نقل الكلام حرفيا هل كان حاضرا هل يمكن سؤال الشخص المعني؟
هذه الأسئلة البسيطة قادرة أحيانا على منع فتنة كاملة.
سابعا: الأثر النفسي على الضحية
التشويه المتكرر للسمعة قد يضع الشخص المستهدف أمام تجربة اجتماعية مؤلمة، خصوصا عندما يؤدي إلى فقدان الثقة أو العزلة أو الإقصاء.
وتشير الأدبيات المتعلقة بالإقصاء الاجتماعي إلى أن التجاهل والرفض والاستبعاد يهدد احتياجات نفسية أساسية مثل الانتماء وتقدير الذات والشعور بالسيطرة والمعنى، وقد يرتبط بمشاعر الضيق والغضب والعزلة.
ولهذا فإن الضرر الناتج عن النميمة العدوانية لا يقتصر على “الكلام”.
قد تكون النتيجة فقدان صداقة، أو تفكك علاقة أسرية، أو توتر داخل بيئة العمل، أو عزلة اجتماعية، أو شعورا دائما بأن الآخرين يتحدثون عن الشخص من وراء ظهره.
والأكثر إيلاما أن الضحية قد تبدأ أحيانا في مراجعة نفسها بصورة مفرطة:
هل أخطأت؟ هل قلت شيئا؟ هل يكرهني الجميع؟ هل تغيرت نظرة الناس إلي؟
وهنا يصبح الأذى الاجتماعي أذى نفسيا أيضا.
ثامنا: المجتمع الذي يسمح بتداول الشائعة يصبح شريكا في إنتاجها
من الخطأ تحميل المسؤولية دائما للشخص الذي بدأ الشائعة وحده.
فالشائعة تحتاج إلى ناقل ومستمع ومستعد للتصديق ومستعد لإعادة الإرسال.
وكلما وجد المجتمع أشخاصا يستمتعون بالأخبار السلبية عن الآخرين، ازدادت قابلية هذه الأخبار للانتشار.
ولهذا فإن مواجهة الظاهرة تحتاج إلى:
– ثقافة اجتماعية جديدة تجاه المعلومة
– الثقافة التي تسأل عن المصدر.
– الثقافة التي ترفض الحديث عن شخص غائب بطريقة تمس كرامته.
– الثقافة التي تمنح الإنسان حق الرد.
– الثقافة التي تدرك أن نقل الاتهام دون دليل يمكن أن يدمّر حياة إنسان.
تاسعا: المفارقة النفسية للحاقد
قد يعتقد الشخص الذي يشتغل على تشويه الآخرين أنه يملك قدرة كبيرة على التحكم فيهم.
لكن الدراسات الحديثة تشير إلى أن السمعة السلبية للشخص الذي يمارس النميمة السلبية قد تنعكس عليه هو أيضا، فقد وجدت دراسة تجريبية حديثة أن الأشخاص الذين يُعرفون بممارسة النميمة السلبية يُنظر إليهم على أنهم أقل جدارة بالثقة كمصادر للمشورة والخبرة، وتقل الرغبة في طلب رأيهم حتى عندما تكون لديهم كفاءة حقيقية.
وهذا يفسر ظاهرة اجتماعية نراها كثيرا:
الناس قد يستمعون إلى الشخص النمّام، لكنهم مع الوقت يتعلمون ألا يثقوا به. لأن الإنسان الذي ينقل لك أسرار الآخرين يترك في ذهنك سؤالا بسيطا: إذا كان يتحدث عنهم أمامي، فماذا يقول عني عندما أغيب؟
وهكذا يبدأ رصيد الثقة في الانخفاض.
عاشرا: كيف نحمي العلاقات من هندسة الفتنة؟
الحماية تبدأ من مبدأ اجتماعي بسيط:
– لا تسمح لشخص ثالث بأن يدير علاقتك بشخص آخر.
– إذا وصلتك معلومة خطيرة عن إنسان تربطك به علاقة مهمة، تحدث معه مباشرة.
– إذا وُجه اتهام، اطلب دليلا.
– إذا نُقلت إليك عبارة، اسأل عن سياقها.
– إذا قيل لك “لا تخبره أنني أخبرتك”، فاعلم أن هذه العبارة تحديدا تستحق قدرا مضاعفا من التحقق.
وإذا اكتشفت أن شخصا اعتاد نقل الكلام بين الناس، فضع حدودا واضحة معه، ولا تمنحه تفاصيل شخصية يمكن استخدامها في صناعة روايات جديدة.
أما الشخص الذي تعرض للتشويه، فليس مطالبا بالدخول في معركة دفاع لا تنتهي.
أحيانا تكون أفضل حماية للسمعة هي الاستقامة الطويلة.
فالسمعة الحقيقية تُبنى عبر سنوات من السلوك، بينما الشائعة تحتاج إلى دقائق.
ومع ذلك عندما يصل التشويه إلى مستوى الاتهامات الخطيرة أو الأذى المهني أو الاجتماعي المباشر، يصبح التوثيق والمواجهة المهنية أو القانونية بحسب السياق أمرا مشروعا وضروريا.
خاتمة: حين تصبح الكلمة أداة لهدم الروابط
الحقد في صورته الاجتماعية لا يبقى شعورا داخل صدر صاحبه.
فعندما يتحول إلى نميمة وتلفيق وتشويه، يصبح فعلا اجتماعيا قادرا على إعادة تشكيل العلاقات، إنتاج الشك، تغيير الانطباعات ودفع الناس نحو المسافة والقطيعة.
ومن هنا فإن دراسة هذه الظاهرة تحتاج إلى الجمع بين علم النفس الذي يفسر دوافع الفرد، وعلم الاجتماع الذي يفسر حركة المعلومة داخل الجماعة، وعلم النفس الاجتماعي الذي يدرس العلاقة بين السمعة والثقة والانتماء والسلوك.
والمشكلة الحقيقية تبدأ عندما تصبح حياة الآخرين مادة لتفريغ الأحقاد الشخصية.
فالإنسان الذي يعيش على تشويه غيره يحتاج دائما إلى ضحية جديدة كي يستمر في بناء صورته.
أما المجتمع الواعي، فيستطيع قطع هذه الدائرة بسلوك بسيط في ظاهره وعميق في أثره: تحقق قبل أن تصدق، اسأل قبل أن تحكم، واجه قبل أن تقطع، واحفظ لسانك من أن يتحول إلى أداة في خصومة لا تعرف بدايتها.
فالعلاقات الإنسانية هشة أمام الكلمة حين تُلقى في المكان الخطأ، والسمعة قد تحتاج أعواما حتى تُبنى، بينما قد تكفي رواية كاذبة واحدة لإرباكها.
والأشد خطورة أن بعض الناس لا يكتفون بنقل النار، إنهم يصنعون شرارتها، ثم يمشون بين الناس يتفرجون على الحريق.
قم بكتابة اول تعليق