متلازمة الموظف في عز الصيف: عندما يصبح المكتب قفصا والوقت بطيئا

موند بريس / بقلم: دة. سعاد السبع

في ذروة الصيف حين تتناثر الضحكات على الشواطئ وتتنفس المدن إيقاع المهرجانات يبقى بعض الموظفين خلف مكاتبهم، محاطين بجدران صامتة وساعات تمشي على مهل. هذا الشعور ليس مجرد انطباع عابر، بل هو حالة نفسية متكررة يمكن توصيفها بما نسميه “متلازمة الموظف في عز الصيف”، حيث يتقاطع الحرمان الاجتماعي مع الملل المهني ليشكّل مزيجا ضاغطا على المزاج والحافزية.

العزلة الاجتماعية المقنّعة

يذهب الموظف إلى عمله يوميا ليجد هناك قلة من الزملاء، ينجز مهاما متفرقة، لكن إحساسه الداخلي يخبره أنه خارج الإيقاع العام للمجتمع. يصف عالم النفس إرفينغ غوفمان هذا الشعور بأنه “فقدان مؤقت للانتماء إلى المجموعة النشطة”، وهو ما يولد إحساسا بالفراغ قد يكون أعمق من الوحدة الجسدية نفسها.

وسائل التواصل… مجهر يضخم الفجوة

لم تكن الفجوة بين الموظف وعالم الإجازات بهذه الحدة قبل عصر الهواتف الذكية. فاليوم تكفي بضع دقائق على شبكات التواصل الاجتماعي ليغرق الفرد في صور الأصدقاء وهم يسافرون، يستمتعون ويحتفلون…
هناك دراسة من جامعة كوبنهاغن كشفت أن التعرض المكثف لمحتوى السفر في الصيف يرفع الإحباط بنسبة تصل إلى 55% لدى غير القادرين على أخذ عطلة نتيجة ما يعرف بـ “المقارنة الاجتماعية السلبية” التي تقلل الرضا الذاتي وتزيد الشعور بالعجز.

الملل كإرهاق صامت
الأبحاث التي أُجريت في جامعة كاليفورنيا تشير إلى أن بيئة العمل الراكدة في أشهر الصيف تخفض الحافزية بنسبة 40%، وتزيد من احتمالية الإصابة بـ”الإرهاق الصامت” وهو شكل من الإنهاك النفسي الذي يتراكم دون أن يعبَّر عنه وينشأ من اجتماع الملل والحرمان العاطفي في بيئة واحدة. يقول عنه الأخصائي النفسي دومينيك بوفريه بأنه “حالة تستنزف الطاقة أكثر مما يفعل ضغط العمل نفسه”.

آليات التكيف النفسي

لمواجهة هذه المتلازمة يقترح الخبراء مجموعة من الاستراتيجيات العملية:

– إعادة تأطير التجربة: النظر إلى فترة العمل الصيفية كفرصة لإنجاز المهام المؤجلة أو الشروع في مشاريع تطوير ذاتي.
– زرع محطات استراحة صغيرة داخل الروتين، مثل تناول وجبة غداء في مكان جديد أو تخصيص وقت قصير للقراءة أو التأمل.
– تخطيط عطلة لاحقة يمنح العقل شعورا بالترقب الإيجابي.
– تقليل الانغماس في وسائل التواصل للحد من المقارنات الضارة.

إعادة تعريف العطلة

قد تكون العطلة في جوهرها حالة ذهنية أكثر من كونها حدثا زمنيا. يلخص الفيلسوف ألان دو بوتون ذلك بقوله: “السفر ليس عبور حدود جغرافية، بل عبور حدود الرتابة”. ومن هذا المنظور يستطيع الموظف حتى وسط صيف يمر خلف زجاج مكتبه، أن يصنع لنفسه مساحة حرة يعيد فيها ترتيب أولوياته ويستعيد إيقاعه الداخلي، ليكتشف أن الحرية قد تبدأ أحيانا من الداخل لا من الخارج.

 

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد