الناجح في مرمى السهام: الحسد والحقد وتشويه السمعة كظواهر اجتماعية ونفسية

موند بريس : بقلم : ذة. سعاد السبع

في مجتمعاتنا المعاصرة، لم تعد النميمة مجرد ثرثرة عابرة تُطفئ فراغ المجالس، بل تحوّلت إلى أداة منظمة لتصفية الحسابات، ووأد النجاحات. يتعرض الناجح – مهما بلغت حكمته أو تواضعه – لحملات من الهمز واللمز وتشويه السمعة، وكأن التميز جريمة، تستوجب العقاب.
فما الذي يدفع البعض إلى كراهية الناجحين؟ وما جذور هذه النزعة المؤذية؟ وكيف يفسرها علم الاجتماع وعلم النفس؟

حين يتحول الحسد إلى فعل جماعي، يرى علماء الاجتماع أن الحسد الاجتماعي ليس مجرد مشاعر فردية عابرة، بل هو ظاهرة متجذرة في بنية المجتمعات، التي تعاني من تفاوتات طبقية، وقصور في العدالة الاجتماعية، ونقص في الفرص المتكافئة. في مثل هذه البيئات، يتحول النجاح إلى تهديد رمزي، لا سيما إذا أحرزه شخص من خارج الدوائر “المألوفة” للامتياز.

وفي هذا السياق، يصبح الناجح محطّ نقمة جماعية مضمرة، تُترجم إلى تصغير لإنجازه، أو التشكيك في نواياه، أو وصمه بصفات زائفة، تجعل الآخرين ينفرون منه، فيُعاقب لا لذنب اقترفه، بل لأن نوره أضاء عتمة من اعتادوا الظلّ.

أما من زاوية علم النفس، فإن الحسد ينبع من إحساس عميق بالنقص. فالشخص الحاسد لا يرى في نجاح الآخر إلهاما، بل مرآة تعكس عجزه وإخفاقه. إنه لا يحتمل أن يرى من ينجز ما عجز هو عن تحقيقه. وهذا ما يدفعه إلى ممارسة الإسقاط، فينسب للآخر صفاته السلبية فيراه متكبرا ووصوليا ومتملقا، فقط لأنه متفوق!

أما الحقد، فهو أكثر رسوخا من الحسد. إنه شعور مزمن بالتمني الخبيث للضرر، غالبا ما يتغذى على تاريخ طويل من الجروح النفسية، وفقدان الاعتراف، والتموقع في مراتب دونية. وإذا اجتمع الحقد بالحسد، يولدان رغبة دفينة في تحطيم صورة الناجح أمام الناس، حتى لا يكون محبوبا أو محترما.

النجاح كخطر وجودي في بيئات غير آمنة

تُظهر بعض الدراسات النفسية الاجتماعية أن المجتمعات التي لا تحتفي بالتميز، بل تعيد الناجح إلى القاع بالتشكيك والتقزيم، هي بيئات غير آمنة نفسيا. إنها لا تعترف بالفرد إلا إذا كان نسخة مستنسخة عن الأغلبية، لا يخرج عن السرب، ولا يرفع رأسه فوق المعدل.
في هذه المجتمعات، يتحول النجاح من فرصة للإلهام إلى خطر وجودي، يهدد “النظام القائم”، فيتآمر اللاشعور الجمعي على من تألق، ليُطوّق بالشائعات، ويُحاصر بالاشتباه.

الضريبة النفسية للنجاح

ما لا يدركه الكثيرون هو أن الناجح لا يعيش دائما في فردوس الإنجاز، بل يُطارد أحيانا بوحدة ثقيلة، وريبة مؤلمة، واتهامات مجانية. وقد تدفع هذه الحملات البعض إلى العزلة، أو الانسحاب من الساحة، أو الانهيار النفسي، لا لشيء سوى لأنه أبدع في ما لم يقدر عليه الآخرون.

وهنا يبرز سؤال مؤلم: هل أصبح النجاح تهمة في مجتمعاتنا؟ وهل صار من الواجب على المتفوق أن يخفي بريقه كي لا يُستهدف؟

نحو ثقافة تقدير، لا ثقافة اغتيال معنوي

إن التصدي لهذه الظاهرة يتطلب ثورة في القيم الاجتماعية، وتعزيز ثقافة التقدير بدل التنمر، والتنافس النزيه بدل التآمر، والتكامل بدل التهشيم.
كما يجب على التربية الأسرية والمدرسية أن تُعيد بناء مفهوم “النجاح” لا بوصفه تهديدا للآخر، بل حافزا جماعيا للتطور. وعلى الإعلام أن يلعب دورا في فضح حملات التشويه، لا ترويجها، وفي تقديم القدوات لا السخرية منها.
فالناجح لا يحتاج إلى أن يُحَب من الجميع، لكنّه يستحق الاحترام. والاختلاف لا يجب أن يكون مبررا للتنكيل، بل مجالا للتنوّع والإثراء. فلننتصر للقيمة لا للضغينة، وللحقيقة لا للتأويل الخبيث. ففي النهاية تبقى الأفواه العابثة زائلة، ويبقى الأثر الحقيقي لمن أنجز بصمت وصدق ونزاهة.

 

 

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد