“الفيتو” الروسي يفرمل المشروع الأمريكي بشأن الصحراء..

موند بريس / متابعة: ذ. محمد أيت المودن

أعاد استخدام روسيا لحق النقض «الفيتو» داخل مجلس الأمن الدولي، يوم الجمعة 30 أكتوبر 2026، ملف الصحراء المغربية إلى واجهة التجاذبات الدبلوماسية بين القوى الكبرى، بعدما حال دون تمرير مشروع قرار أمريكي حظي بتأييد 11 عضواً من أصل 15، في تطور يعكس، من جهة، اتساع دائرة المساندة الدولية للمقاربة المغربية، ومن جهة أخرى، استمرار تأثير الحسابات الجيوسياسية في تحديد مآلات القرارات الأممية المرتبطة بهذا النزاع.

وبحسب المعطيات المتداولة بشأن التصويت، فقد أيدت 11 دولة المشروع الأمريكي، بينما امتنعت الصين وباكستان والصومال عن التصويت، في حين أدى الاعتراض الروسي إلى تعطيل اعتماده. وتكشف هذه النتيجة، إذا ما تأكدت رسمياً، عن حجم التأييد الذي استطاعت واشنطن حشده لصالح الصيغة التي تقدمت بها، رغم أن هذا الدعم لا يعني بالضرورة تطابق مواقف جميع الدول المؤيدة بشأن مسألة السيادة المغربية.

وتتجاوز دلالات هذا التطور مجرد فشل مشروع قرار في الحصول على موافقة مجلس الأمن، بالنظر إلى طبيعة التحول الذي كانت تسعى الولايات المتحدة إلى تكريسه في التعاطي مع النزاع، من خلال جعل مبادرة الحكم الذاتي المغربية، بصيغتها الموسعة والمحيّنة، مرجعية أساسية للمفاوضات، باعتبارها أرضية واقعية لتسوية سياسية تضمن تدبير سكان الأقاليم الجنوبية لشؤونهم المحلية في إطار السيادة المغربية والوحدة الترابية للمملكة.

ويشكل هذا التوجه امتداداً للدينامية الدبلوماسية التي يراهن عليها المغرب منذ تقديم مبادرة الحكم الذاتي سنة 2007، والتي أصبحت تحظى بدعم متزايد من عدد من العواصم المؤثرة، في ظل تنامي الاقتناع الدولي بصعوبة التوصل إلى تسوية مستدامة خارج إطار حل سياسي عملي وقابل للتنفيذ.

وفي هذا السياق، يكتسي تصويت 11 عضواً لصالح المشروع الأمريكي أهمية سياسية واضحة، باعتباره مؤشراً على وجود أرضية دعم واسعة داخل مجلس الأمن للمقاربة التي تتبناها واشنطن. غير أن القراءة الموضوعية لهذه النتيجة تقتضي التمييز بين تأييد مشروع قرار يتضمن توجهاً سياسياً معيناً، وبين الاعتراف القانوني الصريح بالسيادة المغربية، إذ لا يحمل الموقفان بالضرورة الدلالة نفسها.

في المقابل، يطرح الفيتو الروسي تساؤلات بشأن خلفيات هذا الاعتراض وأبعاده الاستراتيجية، خصوصاً أن موسكو تحتفظ بعلاقات ومصالح متشابكة مع مختلف الأطراف الفاعلة في المنطقة. وهو ما يجعل موقفها جزءاً من حسابات أوسع تتجاوز أحياناً الاعتبارات المرتبطة بمضمون مشروع القرار نفسه.

ومع ذلك، لا يمكن اعتبار استخدام روسيا لحق النقض دليلاً كافياً على تبنيها موقفاً رافضاً بصورة مطلقة للمبادرة المغربية، ما لم يصدر عنها موقف رسمي واضح بهذا الخصوص. لكن تعطيل مشروع يسعى إلى إعادة توجيه مسار المفاوضات يضع موسكو أمام سؤال جوهري يتعلق بالبديل الذي تقترحه للخروج من حالة الجمود التي يعرفها الملف منذ سنوات.

وتبرز ملامح هذا الاختلاف أيضاً من خلال المشروع البديل المنسوب إلى روسيا، والذي يتجه إلى تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء «المينورسو» إلى غاية 31 أكتوبر 2027، مع الإبقاء على تسميتها ومهامها الحالية، في مقابل التوجه الأمريكي الرامي إلى إدخال تعديلات على هيكلة البعثة وتسميتها بما يتلاءم مع التصور الجديد للعملية السياسية.

ويعكس هذا التباين اختلافاً في الرؤية بشأن طبيعة المرحلة المقبلة، بين مقاربة تميل إلى الحفاظ على الإطار الأممي القائم، وأخرى تسعى إلى إعادة ترتيب الأولويات السياسية والمؤسساتية المرتبطة بالملف. ومن المنظور المغربي، فإن المعيار الأساسي لتقييم أداء المينورسو ينبغي أن يتمثل في مدى مساهمتها في تهيئة الظروف الملائمة لتسوية سياسية نهائية، وليس في مجرد استمرار ولايتها وتجديدها بصورة دورية.

فالمطلوب، وفق هذه الرؤية، هو الانتقال من تدبير النزاع إلى البحث الجدي عن تسويته، عبر مقاربة سياسية تضع الواقعية وقابلية التنفيذ في صلب أي مبادرة أممية، وتستحضر التحولات التي عرفتها المنطقة والتطورات التي شهدتها مواقف عدد من القوى الدولية.

وبالتوازي مع تحركاتها داخل المؤسسات الأممية، تواصل المملكة المغربية تعزيز حضورها في الأقاليم الجنوبية من خلال مشاريع تنموية واستثمارات استراتيجية تشمل الموانئ والطرق والبنيات التحتية والخدمات الاجتماعية والاقتصادية. وهي دينامية تسعى إلى جعل التنمية رافعة للاندماج المجالي وتحسين ظروف عيش الساكنة، فضلاً عن تعزيز جاذبية المنطقة الاقتصادية والاستثمارية.

وتندرج هذه المشاريع ضمن تصور مغربي يربط بين الاستقرار السياسي والتقدم التنموي، ويعتبر أن أي تسوية مستدامة ينبغي أن توفر آفاقاً ملموسة لسكان المنطقة، وأن تستند إلى واقع المؤسسات والمشاريع القائمة، وليس فقط إلى مواقف سياسية متباينة داخل المنتظم الدولي.

كما أن استمرار المغرب في الانخراط في المسار الأممي واستعداده للتفاعل مع الجهود الرامية إلى استئناف المفاوضات يؤكد تمسك المملكة بالحل السياسي، شريطة أن يقوم على احترام سيادتها ووحدتها الترابية، وأن يستند إلى مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها المقترح الذي تضعه الرباط على طاولة التسوية.

وفي ضوء هذه التطورات، تبدو المرحلة المقبلة اختباراً جديداً للدبلوماسية المغربية، ليس فقط من أجل الحفاظ على المكتسبات التي تحققت خلال السنوات الأخيرة، وإنما أيضاً لتوسيع دائرة الدول الداعمة للمبادرة، والعمل على تحويل المواقف الثنائية والتأييد السياسي إلى توافق دولي أكثر رسوخاً داخل مجلس الأمن.

كما تبرز أهمية مواصلة الحوار مع القوى الدولية التي لم تتبنَّ بعد الموقف المغربي بصورة واضحة، وفي مقدمتها روسيا والصين، بما يسمح بفهم التحفظات القائمة وتقليص مساحات الاختلاف، بعيداً عن منطق الاصطفاف الذي قد يزيد من تعقيد مسار التسوية.

وفي المحصلة، فإن الفيتو الروسي، رغم قدرته على تعطيل مشروع القرار الأمريكي، لا يلغي الدلالات السياسية للتصويت ولا يمحو حجم التأييد الذي حظيت به الصيغة المقترحة. كما أنه لا يشكل حكماً نهائياً على مستقبل النزاع، الذي يظل مرتبطاً بتطور المواقف الدولية ومدى قدرة الأطراف المعنية على الانخراط في حل سياسي واقعي.

لقد أظهرت هذه المحطة مجدداً أن مجلس الأمن ليس مجرد فضاء للتصويت على مشاريع القرارات، بل ساحة تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى وحساباتها الاستراتيجية. وبين هذه التجاذبات، يظل الرهان المغربي قائماً على مواصلة العمل الدبلوماسي والتنموي، وتعزيز مشروعية مبادرة الحكم الذاتي في المحافل الدولية.

فبالنسبة إلى المغرب، تظل الصحراء قضية سيادة ووحدة ترابية، وليست مجرد ملف قابل للتجاذب بين القوى الدولية. ولذلك، فإن تعثر مشروع قرار داخل مجلس الأمن، مهما كانت أسبابه وتداعياته، لا يغير من ثوابت الموقف المغربي، ولا يوقف مسار المملكة في الدفاع عن وحدتها الترابية وترسيخ تنمية أقاليمها الجنوبية.

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد