مالية 2027 تدخل البرلمان.. حكومة المنصوري أمام اختبار التوفيق بين الالتزامات الاجتماعية والتوازنات المالية

موند بريس.

دخل مشروع قانون المالية لسنة 2027 مرحلة المناقشة البرلمانية، عقب المصادقة الحكومية على المشروع رقم 60.26، وتقديمه أمام مجلسي البرلمان في جلسة مشتركة من طرف وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، فوزي لقجع، بالتزامن مع نشر نص المشروع والتقارير والمذكرات المرافقة له.

ويكتسي هذا الموعد أهمية خاصة، باعتباره أول مشروع مالي تتقدم به الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، في سياق يتسم بارتفاع انتظارات المواطنين بشأن القدرة الشرائية وجودة الخدمات العمومية وفرص الشغل، مقابل ضرورة الحفاظ على التوازنات المالية وتعزيز الاستثمار المنتج.

ولا تقتصر أهمية إيداع المشروع داخل الأجل الدستوري المحدد على استكمال المسطرة التشريعية، بل تفتح المجال أمام البرلمان لمساءلة الحكومة بشأن مدى انسجام الاختيارات الميزانياتية مع تعهداتها السياسية والاجتماعية، وقدرتها على تحويل الأولويات المعلنة إلى برامج قابلة للتنفيذ والتقييم.

خمس أولويات استراتيجية ترسم توجهات الميزانية

وكان المجلس الوزاري، المنعقد برئاسة الملك محمد السادس يوم 17 أكتوبر بالقصر الملكي بالرباط، قد تداول في التوجهات العامة لمشروع قانون المالية لسنة 2027، وفق ما ورد في المعطيات المقدمة بشأن المشروع.

وتتمحور هذه التوجهات حول خمس أولويات رئيسية، تشمل تعزيز الدولة الاجتماعية وتحسين القدرة الشرائية، وإدماج الشباب في منظومات التعليم والتكوين والشغل، وتسريع الجهوية المتقدمة والتنمية الترابية، وترسيخ السيادة المائية والطاقية والغذائية والرقمية، فضلاً عن بناء اقتصاد قادر على تمويل هذه الطموحات مع الحفاظ على الاستقرار المالي.

ومن بين التدابير المعلنة، إطلاق برنامج وطني مندمج للشباب للفترة 2027-2031، وتخصيص اعتمادات تقدر بنحو 25 مليار درهم لبرامج التنمية الترابية المندمجة، إلى جانب مواصلة تطوير مشاريع الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر والبنية التحتية المرتبطة بالغاز.

وتضع هذه الاختيارات الحكومة أمام تحدي تحديد الأولويات وترتيبها وفق الحاجيات الفعلية، مع ضمان ألا تبقى الأهداف الاجتماعية والمجالية مجرد التزامات عامة، بل تتحول إلى مشاريع محددة التمويل والآجال والنتائج المنتظرة.

13 وثيقة لتعزيز الشفافية ومراقبة الإنفاق العمومي

يشكل نشر الوثائق المصاحبة لمشروع قانون المالية أحد المداخل الأساسية لفهم الاختيارات الحكومية، إذ تتيح هذه الوثائق للبرلمان والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين الاطلاع على خلفيات الأرقام والافتراضات التي تستند إليها الميزانية.

وتشمل الوثائق المشار إليها في المعطيات المرافقة للمشروع مذكرة التقديم، والتقرير الاقتصادي والمالي، وتقارير المؤسسات والمقاولات العمومية، ومرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة، والحسابات الخصوصية للخزينة، والنفقات الجبائية، والدين العمومي، والميزانية القائمة على النتائج من منظور النوع، والموارد البشرية، والمقاصة، والعقار العمومي المعبأ للاستثمار، فضلاً عن مذكرتي التكاليف المشتركة والتوزيع الجهوي للاستثمار.

وتتجاوز أهمية هذه الوثائق الجانب المحاسبي، لتشمل تقييم كلفة السياسات العمومية ومصادر تمويلها، وقياس انعكاساتها على المديونية والاستثمار والتوازنات الاجتماعية والمجالية.

كما تتيح دراسة النفقات الجبائية والدين العمومي تحديد بعض هوامش التحرك المالي المتاحة أمام الحكومة، فيما يساعد التوزيع الجهوي للاستثمار على تقييم مدى استجابة الميزانية لمتطلبات العدالة المجالية وتقليص الفوارق بين الجهات.

البرنامج الحكومي أمام اختبار التمويل والتنفيذ

يأتي مشروع مالية 2027 في أعقاب عرض التصريح الحكومي أمام مجلسي البرلمان يوم 19 أكتوبر، والذي تضمن، بحسب المعطيات الواردة، التزامات تتعلق بتحسين القدرة الشرائية، وإصلاح قطاعي التعليم والصحة، وتعزيز فرص تشغيل الشباب، وتقليص الفوارق المجالية.

وحددت الحكومة ضمن أهدافها للفترة 2027-2031 تحقيق متوسط نمو سنوي يبلغ 5 في المائة، وحصر عجز الميزانية في أقل من 3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، وخفض الدين العمومي إلى نحو 62 في المائة بحلول سنة 2031، إلى جانب رفع مساهمة القطاع الخاص إلى ثلثي الاستثمار الإجمالي.

وتكشف هذه الأهداف عن معادلة مالية واقتصادية دقيقة، تتمثل في توفير الموارد اللازمة لتوسيع الحماية الاجتماعية وتحسين الخدمات العمومية، بالتوازي مع ضبط النفقات وتعزيز الاستثمار المنتج والحفاظ على استدامة المالية العمومية.

ويكمن التحدي في تحديد مصادر تمويل هذه الالتزامات، ومدى قدرة الاقتصاد الوطني على تعبئة موارد إضافية دون زيادة الضغوط على المقاولات والأسر، فضلاً عن ضمان توجيه الإنفاق نحو القطاعات والمشاريع الأكثر قدرة على إحداث أثر ملموس في التشغيل والنمو وتحسين ظروف العيش.

من الاعتمادات المالية إلى النتائج الملموسة

لن تتحدد الأهمية الفعلية لقانون المالية لسنة 2027 بحجم الاعتمادات المرصودة وحده، بل بمدى قدرة الحكومة على تحويلها إلى نتائج اقتصادية واجتماعية قابلة للقياس، وبمدى نجاعة آليات التنفيذ والتتبع والمحاسبة.

ومن هذا المنطلق، تكتسب مناقشة تقارير الدين العمومي والنفقات الجبائية والاستثمار العمومي، ولا سيما توزيعه الجهوي، أهمية مضاعفة، باعتبارها أدوات لتقييم هوامش التمويل المتاحة، وقياس العدالة في توزيع الموارد، ورصد مدى مساهمة الإنفاق العمومي في خلق الثروة وفرص الشغل.

كما ستكون مناقشة المشروع فرصة أمام المؤسسة التشريعية لاختبار مدى التناسق بين التوجهات الاستراتيجية المعتمدة، والتعهدات الواردة في التصريح الحكومي، والموارد المالية التي تقترح الحكومة تعبئتها لتحقيقها.

وبين الطموحات الاجتماعية ومتطلبات الاستقرار المالي، تدخل مالية 2027 مرحلة حاسمة، سيكون معيار نجاحها الأساسي هو الانتقال من إعلان الأولويات إلى تنفيذ البرامج، ومن رصد الاعتمادات إلى قياس الأثر، بما يضمن إخضاع السياسات العمومية للتقييم والمساءلة.

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد