موند بريس.
تتسع دائرة الجدل داخل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، على خلفية الطريقة التي دبرت بها قيادة الحزب ملف انتقاء وكيلات اللوائح الجهوية المخصصة للنساء استعدادا للاستحقاقات التشريعية المقبلة. فبعد الانتقادات التي رافقت عملية التزكيات والحديث عن اعتراض عدد من الاتحاديات على نتائجها، انتقلت الأزمة إلى مستوى جديد مع قرار تجميد عضوية منال التقال، القيادية بالحزب وعضو مكتبه السياسي، بسبب موقفها المنتقد لمسار الانتقاء والمعايير التي تم اعتمادها.
القرار، الذي يأتي في سياق داخلي مشحون، أعاد إلى الواجهة النقاش حول طريقة تدبير قيادة إدريس لشكر للملفات التنظيمية والسياسية داخل حزب الوردة، خصوصا بعد الاتهامات التي أثيرت بشأن اعتماد منطق النفوذ والولاءات في اختيار بعض المرشحات، مقابل تشكيك عدد من المتضررات في مدى احترام المعايير التي سبق الإعلان عنها.
وفي هذا السياق، توصلت منال التقال بقرار موقع من الكاتب الأول للحزب يقضي بتجميد عضويتها بشكل مؤقت إلى حين الإعلان عن نتائج الانتخابات، وذلك على خلفية رسالة كانت قد وجهتها إلى إدريس لشكر، عبرت فيها عن اعتراضها على الكيفية التي تمت بها عملية انتقاء وكيلات اللوائح الجهوية الخاصة بالنساء.
غير أن القيادية الاتحادية سارعت إلى الرد على القرار من خلال تدوينة نشرتها على صفحتها بموقع التواصل الاجتماعي، أكدت فيها احترامها للمؤسسات الحزبية واختصاصاتها، لكنها أعلنت في المقابل رفضها للطريقة التي تم بها توصيف موقفها، معتبرة أن انتقاداتها لم تكن تشهيرا بالحزب ولا تنكرا لقراراته أو مساسا بمبادئه.
وشددت التقال على أن جوهر اعتراضها لا يتعلق بالمعايير الأربعة التي قيل إن المكتب السياسي صادق عليها، وإنما بكيفية تنزيل تلك المعايير خلال عملية الانتقاء واتخاذ القرار النهائي بشأن المرشحات.
واعتبرت أن هناك فرقا بين الإعلان عن اعتماد مجموعة من المعايير وبين إثبات تطبيقها فعليا بشكل متوازن وموضوعي وقابل للتدقيق. وأكدت أن ما عاينته خلال مراحل الانتقاء، إلى جانب تصريحات عدد من المرشحات وشهادات منسوبة لبعض أعضاء لجان البت، يدفع إلى التساؤل حول ما إذا كانت المساهمة المادية قد تحولت عمليا إلى العامل الأكثر حسما في عملية المفاضلة.
وترى القيادية الاتحادية أن الأمر يثير أسئلة حول مدى احترام مبادئ الاستحقاق والكفاءة والنزاهة وتكافؤ الفرص، خصوصا إذا كان أحد المعايير قد طغى، حسب تعبيرها، على باقي العناصر التي تم الإعلان عنها كأساس لاختيار المرشحات.
ولم تقف منال التقال عند حدود انتقاد مسطرة الانتقاء، بل وجهت بدورها تساؤلات بشأن الأساس التنظيمي والقانوني الذي تم بموجبه اتخاذ قرار تجميد عضويتها. واعتبرت أن مجرد التعبير عن موقف مخالف أو المطالبة بمراجعة سلامة مسطرة حزبية لا ينبغي أن يتحول بشكل تلقائي إلى سبب للعقوبة، خاصة عندما يتعلق الأمر بعضو في جهاز قيادي.
وطالبت، في هذا الإطار، بضرورة تحديد السند التنظيمي للقرار، واحترام ضمانات الدفاع، وتمكين المعنية بالأمر من الاطلاع على المؤاخذات الموجهة إليها والرد عليها قبل اتخاذ أي إجراء يمكن أن يؤثر على وضعها التنظيمي داخل الحزب.
كما رفعت التقال سقف مطالبها داخل حزب الاتحاد الاشتراكي، داعية أعضاء المكتب السياسي والمناضلين إلى المطالبة بالاطلاع على المقرر التنظيمي والقانون الداخلي للحزب، معتبرة أن هاتين الوثيقتين لم تكونا، حسب قولها، متاحتين للمناضلات والمناضلين بالشكل المطلوب منذ انعقاد المؤتمر الأخير.
وأكدت أن وضوح القواعد التنظيمية وإتاحة النصوص المرجعية يعدان من الشروط الأساسية لضمان حكامة داخلية سليمة، وتمكين مختلف مكونات الحزب من معرفة حقوقها وواجباتها والعلاقات التي تربط بين أجهزته.
وفي ما يتعلق مباشرة بعملية التزكيات، دعت القيادية الاتحادية أعضاء المكتب السياسي إلى المطالبة بالاطلاع على محاضر لجان البت في ملفات المرشحات، وشبكات التقييم والتنقيط، والعناصر التي تم الاستناد إليها لترتيب المترشحات واختيارهن.
وذهبت إلى أن الكشف عن هذه المعطيات من شأنه أن يحسم الجدل بشأن مدى احترام المعايير الأربعة التي تمت المصادقة عليها، وكيفية توزيع وزن كل معيار، ومدى حضور الكفاءة والمسار المهني والنضالي والإشعاع داخل عملية اتخاذ القرار.
واعتبرت التقال أن أي قيادة حزبية واثقة من سلامة المسطرة التي اعتمدتها لا ينبغي أن تجد حرجا في إخضاعها للتدقيق والكشف عن الوثائق التي تبرر اختياراتها.
وفي خطوة أخرى، اقترحت إحداث لجنة مستقلة ومحايدة تضم كفاءات من هيئات أو مؤسسات مختصة بالحكامة والنزاهة، تتولى دراسة ملفات جميع المرشحات، والاطلاع على سيرهن الذاتية والمهنية والنضالية، إضافة إلى محاضر لجان البت ومعايير التقييم التي اعتمدت خلال عملية الانتقاء.
وأكدت أن مطلبها لا يتعلق بالحصول على امتياز شخصي أو فرض نتيجة تخدم مصلحتها، وإنما بضمان تطبيق القواعد نفسها على جميع المرشحات، وأن تكون القرارات الحزبية قابلة للتفسير والتبرير والتدقيق.
وشددت على أن الشفافية لا تضعف المؤسسات الحزبية، بل تساهم في حماية مصداقيتها، كما أن طرح الأسئلة حول سلامة المساطر الداخلية لا ينبغي أن يقابل بالعقوبات دون تقديم المعطيات التي تثبت صحة القرارات المتخذة.
وختمت القيادية الاتحادية موقفها بالتأكيد على احتفاظها بكامل حقوقها التنظيمية والقانونية، بما في ذلك إمكانية سلوك مساطر الطعن واللجوء إلى القضاء المختص للطعن في قرار تجميد عضويتها، ومناقشة مدى مشروعيته والجهة التي أصدرته، إلى جانب مدى احترامه للنصوص المنظمة للحزب وضمانات الدفاع.
وبذلك، تجد قيادة الاتحاد الاشتراكي نفسها أمام أزمة جديدة تتجاوز مجرد الخلاف حول التزكيات، لتفتح نقاشا أوسع حول الديمقراطية الداخلية وشفافية آليات اتخاذ القرار داخل الحزب، في وقت كان يفترض أن تتجه فيه كل الجهود نحو الاستعداد للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، قبل أن تتحول عملية اختيار المرشحات إلى مصدر توتر جديد يضع قيادة إدريس لشكر أمام انتقادات من داخل البيت الاتحادي نفسه.
قم بكتابة اول تعليق