موند بريس.
أعاد التوتر الذي أعقب أزمة سبتة الأخيرة ملف التعاون الطاقي بين المغرب وإسبانيا إلى دائرة النقاش، بعد تداول وسائل إعلام إسبانية حديثاً عن إمكانية استخدام الربط الكهربائي والغازي بين البلدين ضمن أوراق الضغط السياسي. غير أن طبيعة هذه البنيات، ومعطيات تشغيلها خلال السنوات الأخيرة، تكشف أن العلاقة الطاقية بين الرباط ومدريد أكثر تعقيداً من مجرد صورة تختزلها في بلد يزود آخر بالكهرباء.
ففي الوقت الذي تحدث فيه برنامج إسباني عن احتمال إعداد «خطة طوارئ» تدرس مستوى ارتباط المغرب بإسبانيا في مجالات الكهرباء والغاز والمحروقات، لم يصدر عن الحكومة الإسبانية أي إعلان رسمي يتعلق بفرض عقوبات طاقية. بل إن الخطاب الرسمي ظل أكثر حذراً، مع التأكيد على استمرار المغرب كشريك موثوق.
ويتصدر الربط الكهربائي البحري عبر مضيق جبل طارق واجهة هذا النقاش، باعتباره إحدى أهم البنيات المشتركة بين البلدين. إلا أن تقديم هذا الربط باعتباره مجرد «صنبور كهرباء» تتحكم فيه مدريد لتغذية المغرب لا يعكس حقيقة طريقة اشتغاله.
فالمنشأة تقوم على نظام تبادل كهربائي ثنائي الاتجاه، يتيح انتقال الطاقة من الشمال إلى الجنوب أو في الاتجاه المعاكس، بحسب حاجيات الشبكتين، والقدرات المتاحة، وأسعار السوق، فضلاً عن متطلبات أمن الإمدادات.
وتبرز أهمية هذا الترابط بشكل أوضح خلال حالات الطوارئ. ففي الانقطاع الكهربائي الكبير الذي شهدته إسبانيا والبرتغال في 28 أبريل 2025، تغير اتجاه تدفق الكهرباء بين البلدين بعد تعرض الشبكة الإيبيرية لاضطراب واسع، حيث طلبت الجهات الإسبانية دعماً من الشبكة المغربية للمساهمة في إعادة تشغيل أجزاء من منظومة جنوب إسبانيا.
وهكذا، انتقل الربط الذي يستخدم في الظروف العادية لنقل كميات مهمة من الكهرباء نحو المغرب، إلى مسار لتدفق الطاقة في الاتجاه المعاكس، في واقعة أظهرت أن هذه البنية ليست طريقاً أحادي الاتجاه، بل أداة دعم متبادل بين شبكتين مترابطتين.
ويعود تاريخ الربط الكهربائي بين المغرب وإسبانيا إلى سنة 1997، قبل أن يتم تعزيز المنظومة برابط ثان دخل الخدمة سنة 2006، لتصل القدرة التقنية الإجمالية إلى نحو 1400 ميغاواط. أما القدرة التجارية المتاحة فتتغير بحسب ظروف التشغيل وحاجيات أمن الشبكة.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن صافي تدفق الكهرباء من إسبانيا نحو المغرب ارتفع خلال سنة 2025، ما يعكس استفادة المملكة من السوق الكهربائية الإيبيرية في تلبية جزء من حاجياتها. غير أن هذه المعطيات لا تلغي قابلية النظام لانعكاس اتجاه التدفق، وهو ما حدث في سنوات سابقة عندما تحولت إسبانيا إلى مستورد صافٍ للكهرباء المغربية.
وتبقى حصة الكهرباء المستوردة من إسبانيا مهمة بالنسبة للمنظومة المغربية، لكنها لا تعني أن المملكة تعتمد كلياً على هذا المصدر، في ظل توفر المغرب على قدرات إنتاجية متنوعة، وتوسع مستمر في مشاريع الطاقات المتجددة، إلى جانب برامج استثمارية جديدة لتطوير الإنتاج والتخزين الكهربائي.
ولا يتوقف التشابك الطاقي بين البلدين عند حدود الكهرباء، إذ يشمل أيضاً الغاز الطبيعي. فمنذ سنة 2022، أصبح أنبوب المغرب العربي-أوروبا يُستخدم في الاتجاه المعاكس، لنقل الغاز الذي يقتنيه المغرب من الأسواق الدولية بعد إعادة تحويله إلى حالته الغازية داخل إسبانيا.
كما سبق للمغرب وإسبانيا أن أعلنا دراسة مشروع رابط كهربائي ثالث، في مؤشر على أن التوجه الاستراتيجي بين البلدين ظل، على الأقل في السنوات الماضية، قائماً على تعزيز الترابط بين الشبكتين بدل تقليصه.
لذلك، فإن الحديث عن استخدام الربط الكهربائي كسلاح سياسي ضد المغرب يتجاهل جانباً أساسياً من المعادلة: إسبانيا تستفيد بدورها من هذه البنية، سواء باعتبارها منفذاً تجارياً للطاقة أو باعتبارها احتياطياً استراتيجياً يمكن اللجوء إليه عند وقوع اضطرابات في الشبكة.
وتبقى واقعة انقطاع أبريل 2025 المثال الأكثر وضوحاً على ذلك. فالخط الذي ينقل الكهرباء إلى المغرب في الظروف العادية، تحول خلال ساعات الأزمة إلى أحد مسارات الدعم التي ساهمت في مساعدة الشبكة الإسبانية على استعادة توازنها.
وبينما يستمر الجدل السياسي والإعلامي حول مستقبل العلاقات بين الرباط ومدريد، تبدو البنية الطاقية المشتركة أكثر ارتباطاً بمنطق المصالح المتبادلة والأمن الكهربائي منها بمنطق «العقوبات» والتهديدات الظرفية. فالمغرب يستفيد من الربط، نعم، لكن إسبانيا ليست خارج معادلة الاستفادة، وهو ما يجعل أي قرار بوقفه خطوة ذات كلفة محتملة على الطرفين، لا مجرد ورقة ضغط في اتجاه واحد.
قم بكتابة اول تعليق