موند بريس / بقلم: دة. سعاد السبع.
أكادير: 06/02/2026
حين تتحول السلطة إلى نشوة
(في سيكولوجية الاستحقاق المطلق لدى الشخصيات النافذة).
أعاد الجدل الإعلامي المتجدد حول قضية Jeffrey Epstein إلى الواجهة أسئلة تتجاوز الوقائع القضائية والتفاصيل الإخبارية، لتصل إلى منطقة أكثر تعقيدا ترتبط بطبيعة السلطة عندما تتراكم خارج آليات الرقابة. فالقضية في عمقها تكشف نمطا نفسيا–اجتماعيا يتكرر كلما تركز النفوذ في أيدي فئات محدودة، وامتدّ الإحساس بالحصانة، وتراكم الشعور بالإفلات من المساءلة.
هذا المعطى يدفع إلى توسيع زاوية النظر، والانتقال من الاكتفاء بردود الفعل الأخلاقية إلى مقاربة تفسيرية أعمق. فالفهم هنا يشكّل أداة تحليل تسمح بتفكيك الآليات النفسية التي تجعل بعض الشخصيات النافذة تتصرف من داخل قناعة ضمنية بأن موقعها يمنحها مساحة خاصة للفعل. ومع ترسخ هذه القناعة يتراجع حضور الضوابط الداخلية، ويبرز الإحساس بالقوة بوصفه منبعا لدافعية متصاعدة.
وتُظهر أبحاث علم النفس الاجتماعي أن التمركز المستمر في مواقع النفوذ يُحدث تحولات تدريجية في إدراك الفرد للعالم وللآخرين. كما يوضح فيليب زيمباردو أن هذا التمركز يطال السلوك اليومي والبنية الأخلاقية الداخلية معا حيث تتأثر القدرة على رؤية الآخر كذات مستقلة لها حدودها الخاصة. ومع مرور الوقت تُعاد صياغة المعايير المرجعية، ويصبح تقييم الأفعال مرتبطا باعتبارات ذاتية متصلة بالمصلحة والقدرة.
كما يتشكّل هذا المسار عبر مراحل متتابعة. حيث تبدأ بتجارب محدودة لاختبار النفوذ، تليها مساحات صمت ثم تتعزز مع تكرار غياب المساءلة. ومع كل تجربة تمر دون عواقب يترسخ الإحساس بالاستثناء. ويشير عالم الاجتماع سي رايت ميلز إلى أن النخب حين تتحرك داخل دوائر مغلقة من الامتياز تطوّر تصورا للعالم منفصلا عن السياق الاجتماعي الأوسع، حيث تُعاد هندسة القواعد بما يضمن استمرارية النفوذ والحماية المتبادلة.
وهكذا تتبلور حالة نفسية يمكن توصيفها بمتلازمة الاستحقاق السلطوي. تقوم هذه الحالة على اعتقاد داخلي بأن الموقع الاجتماعي يمنح صاحبه شرعية ضمنية لتجاوز الحدود. ومع ترسخ هذا الاعتقاد، يتراجع حضور السؤال الأخلاقي، ويهيمن منطق الإمكان، حيث يُقاس الفعل بمدى قابليته للتنفيذ لا بآثاره الإنسانية.
ويترافق هذا المسار مع حالة نفسية مشحونة بالإثارة. إنها نشوة ناتجة عن الإحساس بالقدرة على التحكم والتأثير، وعن اختبار حدود النفوذ في غياب العواقب. ويوضح عالم النفس داتشر كيلتنر أن التمركز الطويل في مواقع القوة يؤدي إلى تراجع التعاطف، ويضعف الحساسية تجاه تجارب الآخرين، ما يسهّل اختزالهم إلى عناصر داخل مشهد السيطرة. ومع كل تجربة ناجحة يتعمق الإحساس بالقدرة ويتضخم الشعور بالتفوق.
ولا يمكن فصل هذه الحالة النفسية عن الإطار الاجتماعي الذي يسمح لها بالاستمرار. فشبكات الصمت، وأشكال التواطؤ غير المعلنة، والخوف من كسر التوازنات القائمة، تشكّل بيئة حاضنة لهذا الإحساس. وبالتالي يتجاوز التحليل الفرد ليشمل المنظومة. يقول ميشيل فوكو أن السلطة تتحقق داخل شبكات دقيقة من القبول والتطبيع والعلاقات المتداخلة، حيث يُعاد إنتاج النفوذ بصورة غير مباشرة.
وضمن هذا السياق يحتل الإعلام موقعا إشكاليا، فالدور الكشفي يفتح المجال للنقاش العام، غير أن التركيز المكثف على التفاصيل المثيرة قد يُضعف الانتباه إلى البنى العميقة التي تسمح بتكرار الظاهرة. ومع توالي الدورات الإخبارية يتصاعد الانفعال العام ثم يتراجع، بينما تبقى الجذور المرتبطة بثقافة الامتياز وضعف المحاسبة قائمة.
أما على المستوى النفسي الأعمق، فيمكن قراءة هذه الظاهرة بوصفها مسارا يتسم بتراجع سلطة الضمير الداخلي تحت تأثير تضخم الإحساس بالقوة. وقد ربط سيغموند فرويد بين هذا التضخم وبين تحرر الدوافع من الضبط الأخلاقي، حيث يُعاد تأويل الانتهاك داخل الوعي الفردي بوصفه مؤشرا على التفوق والقدرة مع تراجع الإحساس بحدود الفعل ومسؤوليته. ومن هنا يتجه السؤال الجوهري نحو البنى المنتجة لهذه الحالات الشعورية.
فكيف تتشكل بيئات تسمح بتراكم النفوذ دون ضوابط فعالة؟ وكيف يتحول الموقع الاجتماعي إلى مصدر نشوة نفسية؟ وكيف يُعاد إنتاج هذا النمط كلما استمر غياب المحاسبة؟
تكشف القضايا من هذا النوع منظومات كاملة تتيح تطبيع استخدام السلطة عبر الصمت والتأجيل المستمر للمساءلة. ومع ترسخ هذا المسار يصبح الإحساس بالاستحقاق جزءا من البناء النفسي، ويتحول الانتهاك إلى ممارسة تجد مشروعيتها في غياب الردع.
وفي النهاية تسلط هذه القضايا الضوء على بنى تسمح للسلطة بأن تتحول إلى تجربة نفسية قائمة على الاختبار، وللنفوذ أن يتمدد خارج الحدود، وللوهم بأن الاستثناء حالة مستقرة. ومع استمرار هذه الشروط تتكرر الظواهر ذاتها بأسماء مختلفة وبالآليات النفسية نفسها.
قم بكتابة اول تعليق