موند بريس / بقلم : دة.سعاد السبع.
في زحمة الحياة، وتحت ضجيج الماديات والمنافسات اليومية، ينسى كثير من الناس أن أحد أعمق احتياجاتهم ليس المال ولا السلطة ولا حتى الحب، بل هو الاحتياج إلى التقدير ذاك “الجوع النفسي” الذي يحرّك سلوك الإنسان في الخفاء، ويصوغ شخصيته، وربما يصنع آلامه أو أمجاده.
يُعرّف عالم النفس الأمريكي أبراهام ماسلو هذا الاحتياج في هرمه الشهير كواحد من الحاجات الأساسية العليا، ويضعه تحت مسمى: “حاجة التقدير”، والتي تشمل الرغبة في الاحترام من الآخرين، الشعور بالكفاءة، تحقيق المكانة والاعتراف الاجتماعي. ويؤكد ماسلو أن عدم إشباع هذه الحاجة يؤدي إلى مشاعر الدونية والضعف وعدم القيمة، وهي مشاعر قد تتجذر وتؤثر بعمق في الصحة النفسية للفرد.
لكن لماذا يُعتبر التقدير حاجة وليست رفاهية؟ لأن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، يعيش من خلال التفاعل مع الآخرين، ويتحدد جزء كبير من صورته الذاتية من خلال نظرة الناس إليه. تقول الباحثة روكسان هورويتز في دراسة عن الاحتياجات النفسية:
حين يُحرم الإنسان من الاعتراف بقيمته ينهار الإحساس بالذات ويصبح مستعدا لتعويض النقص في التقدير بأشكال دفاعية أو حتى عدوانية.
وهذا ما يجعلنا نرى بعض الأشخاص يبالغون في التفاخر، أو يدخلون في علاقات سامة، أو يتصرفون بأنماط من التصنع والمبالغة بحثا عن شيء من “الاهتمام” أو “الانبهار”.
المجتمع وعقدة التقدير.
في السياقات الاجتماعية، وخاصة في المجتمعات التي تُمجِّد المقارنات والنجاحات المادية يتفاقم هذا الاحتياج ويتحول من حاجة طبيعية إلى “عقدة تقدير”، يلهث الناس خلف إشباعها بكل وسيلة: عبر وسائل التواصل، عبر الاستعراض، أو حتى عبر خفض قيمة الآخرين لرفع قيمة الذات.
ويبرز هنا الدور الخطير للثقافة الاستهلاكية التي تُقنع الفرد بأنه ليس جديرا إلا إذا حصل على إعجابات رقمية، أو نال شهرة لحظية. تقول الباحثة جين توينج في كتابها “الجيل أنا”: التقدير الذاتي الذي يستمده الشباب اليوم من الخارج لا من الداخل يؤدي إلى هشاشة نفسية تجعلهم عرضة للاكتئاب حين لا يُمنح لهم الاهتمام الذي يتوقعونه.
الحرمان من التقدير… الجرح الصامت.
الطفل الذي لم يُقدّر، والمراهق الذي لم يسمع عبارات الإعجاب من محيطه، والمرأة التي تُعامَل كأنها بلا قيمة، والموظف الذي يعمل بإخلاص دون اعتراف… كلهم يحملون جروحا نفسية كامنة، تُترجم لاحقا إلى قلق مزمن، ضعف ثقة، أو حتى نرجسية دفاعية.
وتذهب أليس ميلر المحللة النفسية السويسرية إلى القول:
“في أعماق كل نرجسي جريح يكمن طفل صغير حُرم من الاحتواء والاعتراف بقيمته.”
نحو تربية تقديرية وعلاقات مشبعة.
لا نحتاج إلى معجزات لإشباع هذه الحاجة، بل نحتاج إلى ثقافة جديدة في العلاقات تقوم على الاعتراف والتقدير والتواصل الداعم. كلمة “أحسنت”، نظرة إعجاب صادقة، إشادة علنية، كلها تغذي النفس وتمنحها دفئا يصعب تعويضه.
في البيئات التعليمية مثلا يغيب التقدير أحيانا عن المتعلمين الذين لا يحققون نتائج عالية، مع أنهم يملكون قدرات إبداعية أو هوايات تُهمل. أما في العلاقات العائلية، فإن تجاهل جهود أحد الأطراف بحجة “أنه يقوم بواجبه” يؤدي إلى جفاف عاطفي مزمن.
التقدير ليس رفاهية.
نحتاج جميعا إلى أن نشعر بأننا مرئيون، بأننا مقبولون كما نحن، بأن لأثرنا معنى في حياة من حولنا. فالتقدير بتعبير أدق ليس هدية… بل هو حق نفسي واجتماعي.
ولعلّ أجمل ما نختم به هو قول الدكتور طارق الحبيب:
“القلوب تموت عطشا، لا للحب وحده، بل لكلمة ترفع من قيمة الإنسان في نفسه.”
فلنكن أكثر كرما في التقدير… فربما أنقذنا به قلبا من الانطفاء.
قم بكتابة اول تعليق