موند بريس / بقلم: د. سعاد السبع
في زوايا الذاكرة المظلمة، وفي أعماق النفس البشرية، ثمة جراح لا تندمل، وجع متخفٍّ في ثوب الصمت، لكنه يواصل تشكيل الإنسان، سلوكا وشعورا، اختيارات وهشاشة. إنها جراح الطفولة، تلك الندوب الخفية التي تتسلل إلى الشخصية، فتمنحها ملامحها النفسية وتلون إدراكها للعالم.
فمن منظور علم النفس، تُعدُّ الطفولة المرحلة الأكثر حساسية في تشكيل البنية العاطفية والمعرفية للإنسان. وما يُخلفه الإهمال أو سوء المعاملة أو القسوة المفرطة أو حتى غياب الإحتواء العاطفي في هذه المرحلة، لا ينتهي بانتهاء الطفولة، بل يمتد في هيئة اضطرابات وجدانية أو هشاشة في العلاقات أو حتى صراع داخلي صامت.
الجراح العاطفية… ذاكرة لا تموت
تشير النظريات النفسية الحديثة، خاصة في علم نفس الطفولة والتعلق (Attachment Theory)، إلى أن الطفل يحتاج إلى بيئة آمنة عاطفيا، تسمح له بالتعبير، وبالتجريب، وبالخطأ دون خوف من النبذ أو العقاب العنيف. وعندما يُحرم من ذلك، يُصاب بتشوهات على مستوى تقديره لذاته، ويُبرمج داخليا على مفاهيم مغلوطة حول الحب، الثقة والأمان.
فالطفل المهمل حين يصير بالغا، قد يبحث بلا وعي عن ما فقده في علاقات غير متكافئة أو في محاولات مفرطة للإرضاء، أو قد يرتدي أقنعة القوة ليخفي هشاشته القديمة. أما الطفل المعنَّف فقد يُطور شخصية دفاعية شديدة التوجس أو يتبنى عنفا مضادا يُمارسه على نفسه أو على الآخرين.
الصمت الطفولي… صراخ مؤجل
الخطير في جراح الطفولة أنها غالبا ما تُخزَّن في اللاوعي، حيث لا يطالها النسيان، لكنها تُعيد إنتاج ذاتها في مواقف الحياة. فالراشد المتألم لا يدرك أحيانا أن ردود أفعاله الحادة، أو انسحابه العاطفي، أو خوفه المزمن من الهجر، ليست إلا ارتدادات لذاكرة طفل داخلي لم يُحتضن ولم يُنصف ولم يُعترف بألمه.
وتُجمع المدارس النفسية المعاصرة على أن التعافي لا يبدأ إلا بالاعتراف، وبالعودة الواعية إلى الجرح الأول. إنها رحلة صعبة لكنها ضرورية تبدأ بمساءلة التاريخ النفسي، ولا تنتهي إلا حين يُعاد ترميم العلاقة مع الذات من الجذور.
من الطفولة الجريحة… إلى البلوغ المُمَكَّن
رغم سوداوية هذه الصورة فإن الإنسان لا يُحكم عليه بجراحه، بل بإرادته في تجاوزها. لقد أثبتت دراسات العلاج السلوكي المعرفي (CBT) والعلاج بالتقمص الوجداني (Inner Child Therapy) أن مواجهة صدمات الطفولة والعمل على شفائها قادرة على تحويل الألم إلى قوة، والانكسار إلى مرونة نفسية، والانغلاق إلى انفتاح شعوري ناضج.
خاتمة
جراح الطفولة ليست قدَرًا حتميا، لكنها ناقوس تنبيه لما لم يُفهم أو يُحتضن في حينه. وحده الوعي كفيل بإعادة صياغة العلاقة مع الماضي، وتحرير الإنسان من سطوة الطفولة الجريحة. فكل نفس تحمل في طياتها طفلا صغيرا ينتظر العناق وينشد السلام.
قم بكتابة اول تعليق