دور السلطة التنفيذية في صنع السياسات العامة

موند بريس : من إنجاز د. يونس صبار
باحث في القانون العام والعلوم السياسية
أستاذ زائر بكلية الحقوق /الدار البيضاء

عمليـة صنـع السياسة العامـة عمليـة معقـدة تتسـم بتنـوع مكوناتهـا , التـي يكـون لكـل منهـا اسهامـه المختلف , فهـي تقـرر الخطـوط الأساسية للفعل وتتسـم بتوجهها نحـو المستقبـل وسعيها إلى تحقيق الصالح العام وذلك بأفضل الوسائل الممكنـة , فالمفروض أن يتم التقـويم أثنـاء صنـع السياسة أو البرنامـج , فيـوفر معلـومات عـن أثار المقترحات علـى كـل أعضاء المجتمع ويساعـد في عمليـة الاختيار , وقـد يقلل مـن تحيـز صناع السياسة , ويزودهـم بالمعلومات ألضرورية وقـد يقررون أعـادة صنـع السياسة , ولا يعنـي التقـويـم الرسمـي هنـا اتخاذ قـرار ألاختيار فهـو يساعـد بتـوفيـر الأساس الوقائعـي لموضوعـات القـرار لكـل المشاركيـن فيـه , وتظل نـوعيـة الدليـل ومصداقيتـه , وفي الغالب تفسيـره مثـار جـدل , ويظـل التقـويـم في هـذه المرحلـة ( تعٌـلم ) , فعنـدمـا يتوافـر دليـل علـى مزايـا وعيـوب بديـل معيـن , تتولـد رؤيـا جـديـدة تقـود إلى خلق بدائـل أفضـل فتصبـح عمليـة صنـع السياسة العامـة دائـريـة الشكـل.
أولًا : دور السلطة التنفيذية في تقويم السياسات العامة
تتباين الجهات التي تتـولى عمليـة التقـويـم للسياسات العامـة بتبايـن النظـم السياسيـة , فنظـم الحكم النيابيـة والبرلمانيـة تميـل إلى الأخـذ بمبـدأ الفصل بين السلطات الثـلاثة , وإلى خلـق حالـة توازن بينهـا حتـى لا تطغـى أحـداها علـى الأخـرى , ولـذا تتمتـع السلطـة التشريعيـة في هـذه الأنظمـة بحـق الرقـابـة والتقـويـم علـى تصرفـات السلطـة التنفيـذيـة لضمـان دستوريتها وشرعيتها والتزامها نص وروح التشريـع , فتقـوم السلطة التشريعية بتقويم مشروعات رسم السياسة العامـة وتمويلها وتعديلها مـن حين لأخــر , إذ يتولى صانعي السياسة العامـة ومـن خلال أشغالهم لمواقعهم الرسميـة في الحكومـة بتقويـم السياسة العامـة إرضاء لناخبيهم كمـا في الأنظمـة السياسية الديمقراطيـة , فيتوقعون انسياب التغذيـة العكسية إليهم مـن مجموعـات الدوائـر الانتخابيـة , ويتعرفـون علـى أرائهم ازاء برامـج السياسة العامـة القائمـة , وفي مثـل هـذه الحالـة فأن شكـل التقـويم يكـون مـن خـلال مـراقبـة صانعـي السياسـة العامـة لمواقف الدوائـر الانتخابيـة اتجاه البرامـج بحيث يصبـح المعيـار أو المقيـاس في تقـويـم أي برنـامج هـو شيـوعـه أو عـدم شيـوعـه بيـن جمـاعـات الناخبيـن علـى أساس القبول أو الرفض , فضـلا عـن التغـذيـة العكسيـة مـن جهـة الناخبيـن باتجاه صانعي السياسة فإن التقويـم يتبلـور أيضـا مـن خلال ما تنشره الصحف والأجهزة الاذاعيـة والمرئيـة وشكاوى المواطنين والموظفين وحتـى الاشاعـات , وكذلك نتائـج البحوث الاجتماعيـة , وجميعها تمثـل تغـذيـة عكسيـة غير منتظمـة , تسهم في جعـل صانعي السياسة العامـة يكتسبـون انطباعات أوليـة وتقويمـات غيـر رسميــة حول نجاح أو فشـل البرامـج الحكوميـة , بالشكل الذي يـدفع هـؤلاء الصناع نحـو التصرف اللازم في نهايـة الأمـر , استجابـة لمجمل المعاييـر والمقاييس السياسية التـي يقتضيها الفعـل المطلـوب . بمعنى أن النشاط التقييمي سوف يكـون لـه مردود على تطويـر صنـع السياسة واختيار البدائـل , أي أن النشاط التقييمي ينطلق مـن كـونه في عمليـة صنع السياسات التي تشمـل ما يأتي : الاستجابـة , العدالـة , المساواة , تخفيف ضغـط المطالب المساندة , التوازن بيـن القـوى , المعلـومـات أو البعـد المعلومـاتي لمـدخـل في عمليـة صنـع السياسات العامـة , على اعتبـار أن كم ونوعيـة ومصداقيـة المعلومـات المتوفرة تـؤثـر على فعاليـة السياسات .
ثانيا : التقـويم من قبل منفذي السياسة العامـــة
تمارس السلطـة التنفيـذيـة التقويم بنمـط متتابـع من النشاط يسهم في تقويم السياسة العامـة ويكمـل حلقـة الصنع والمضمون والأثـار,وعمليـة التقويم تنصب علـى اجراءات التنفيـذ أو قبل التنفيـذ , إذ أن عمليـة الصنـع لها مخرجات ونتائج ينبغـي تقـويمها قبـل تنفيـذها سيمـا وأن المخرجـات مـرت بعمليـة تحـديـد وتقـويـم للبدائـل , كمـا إن عمليـة التقـويـم قـد تنصب علـى أداء الجهاز الإداري نفسه مـن قبل جهات أخرى للحكم على مدى التزام الجهاز التنفيذي بأتباع الخطط والبرامج والإجراءات المرسومـة , والتحقق من الجـدوى وفعاليـة سياسات وبرنامج العمـل الحكومـي ومـدى النجاح في حل المشكلـة العامـة وأسباب القصور في تحقيـق الأهداف فضلا عن قيـاس أثار تنفيـذ السياسة العامـة على الجماعات المختلفـة وكـذلك علـى البيئة الأجتماعيـة كـكـل , ويتولى أيضا منفذوا السياسة العامـة التقـويم مـن منطلق أن سمعتهم أو مستقبلهم مـرتبط بنجاح البرامج التي يقومـون على أدارتها , والحرص على كسب التأييد لهم مـن قبـل صانعـي السياسة ودعمهم للبرامج التنفيـذيـة , وهـذا الاسلوب في التقويـم هـو الآخر يعمـل علـى تقـويـة صانعي السياسة من جهـة , وعلى تقـويـة منفـذيها من جهـة أخرى , ويمثـل في النهايـة توجها سياسيا , إذ يقوم منفذوا السياسة العامـة بمحاولة ضبط أو تشكيل المعلومات التي سيتلقاها صانعوا السياسة العامـة , حول البرامج التنفيذيـة عبر الوسائل الآتية :
ارسال المعلومات الانتقائيـة التي تسلط الضوء الأكثر تفضلا حول أرائهم .
تفعيل برامج الذين يؤيـدون العمـل في ضوء ادعاءات صانعـي السياسة.
استخدام موارد البرنـامج في سبيـل توسيع قاعـدة المجموعات المستفيـدة , وكذلك الجماعات الاخـرى العامـة في سبيل تحريكهم للحصول علـى دعـم أو تأييـد أضافـي لبرامـج أخرى جـديـدة .
كمـا تمارس السلطة التنفيذية تقويم نشاطها وأعمالها علـى ثلاثة مستويات وكمـا يأتي :-
مستوى رئاسـة السلطة التنفيذيـة التي تمارس التقويم علـى كل الأجهزة التابعة لها , كما تمارس السلطة التنفيذية رقابـة وتقيما لتنفيـذ سياساتها العامـة بصورة دوريـة أو روتينية .
مستوى بعض وحدات الجهاز التنفيذي التي تتمتع بسلطة رقابـة ومتابعـة وتقويم مركزي على بعض جوانب العمـل في وحدات الجهاز الحكومي الأداري , وبالتالي تقييم السياسات التي تنفـذها .
مستوى الجهاز التنفيذي الموكل اليـه تحقيق أهـداف سياسة عامـة معينـة , وعليـه فالتنفيـذ هـو أحد الحلقات المتتابعة في عمليـة رسم السياسات , وتقويـم التنفيـذ نمط متتابع من النشاط يسهم في تقويم السياسات العامـة ويطلق عليه مـن قبـل دارسي الادارة العامـة تقويم المتابعـة فينصب على الاداء والغايات والأهداف , وبإيجاز على مخرجات السياسة العامـة , وتركـز بحوث تقويـم التنفيـذ على مـا يأتي :
هـل تم توجيـه السياسة العامـة أو البرنامج نحو الهدف المحدد .
مـدى تأثير الممارسات المختلفة والجهود والتداخلات على تصميم السياسة ذاتها أو البرنامج ذاتــه والمبادئ التي تم اعلانها.
وعمـومـا هناك محاور اربعـة اساسيـة لتقـويم التنفيـذ هـي :
محور العلاقات الانسانيـة والتي تهتـم بسـلوك الفاعليـن خلال منظمـة .
ب. محـور سياسي يركـز على المنظمـة ذاتها كمجمـوعـة من القـواعـد السلوكيـة المنظمـة ج. محـور هيكلـي يركــز علـى المنظمـة ذاتها لمجمـوعـة من القـواعـد السلوكيــة ليست منظمـة
د. النظم التي تربط بين المنظمات وبعضها , وبينها وبين البيئة والنظام .
هـذا وممـا يلاحظ علـى الجهتيـن (الصانعين والمنفذين) للسياسة العامـة في التقويـم أن كيليهما مهتمـان بصيانـة وتقـويــة مـراكــزهم وسلطاتهم وبرامجهم , وأنهما يميـلان نحـو التمسك بوجهـة نظـر دفاعيـة , تجاه عمليـة التقويم , ويتبنون استراتيجيات مصممـة لغرض تجنيبهم التوجهات النافـذة لأدائهم وانجازاتهم.

1 Comment

اترك رد