موند بريس / ذ: عبد الله بوحنش
مقالات تربوية
*** قراءة نفسية وتربوية في مستجدات تنظيم الامتحان الإشهادي للمستوى السادس الابتدائي ***
شهد الامتحان الإشهادي للمستوى السادس الابتدائي هذه السنة تحولاً تنظيمياً مهماً، تمثل في نقل مراكز إجراء الامتحان من المدارس الابتدائية إلى مؤسسات التعليم الثانوي الإعدادي والتأهيلي، مع إسناد مهمة الحراسة إلى أساتذة التعليم الثانوي، بعدما كانت تجرى داخل المؤسسة الأصلية للتلميذ وتحت إشراف أساتذة التعليم الابتدائي الذين لا يدرسون المترشحين.
وقد أثار هذا التغيير نقاشاً واسعاً، خاصة بعد ملاحظة انخفاض نتائج عدد من التلاميذ مقارنة بمستوياتهم المعتادة خلال سنوات الدراسة أو في الامتحانات التجريبية. ولا يكفي هذا الانخفاض وحده لإثبات وجود علاقة سببية بين المستجدات التنظيمية والنتائج، لكنه يطرح سؤالاً تربوياً مشروعاً: إلى أي حد يمكن أن تؤثر ظروف إجراء الامتحان في الأداء الفعلي للطفل؟
هذا السؤال ليس جديداً في علوم التربية، بل شكل موضوع عشرات الدراسات في علم النفس التربوي والقياس النفسي، التي تجمع على أن الامتحان ليس مجرد أداة لقياس التعلمات، وإنما هو موقف نفسي واجتماعي معقد تتداخل فيه المعرفة مع الانفعال، والثقة بالنفس مع الإحساس بالأمان، والقدرة العقلية مع ظروف الإنجاز.
يرى *ليف فيغوتسكي* أن التعلم لا يحدث بمعزل عن السياق الاجتماعي، وأن البيئة المحيطة بالمتعلم تؤثر في طريقة تفكيره وأدائه. فالطفل لا يتفاعل مع الأسئلة وحدها، بل مع المكان، والأشخاص، والجو العام، وطبيعة العلاقات التي تحيط به. وعندما يجد نفسه فجأة داخل مؤسسة جديدة، ذات فضاءات واسعة وقوانين مختلفة ووجوه غير مألوفة، فإنه يبذل جزءاً من جهده الذهني في محاولة التكيف مع هذا الواقع الجديد، وهو جهد قد يكون على حساب تركيزه في الإنجاز.
ومن جهة أخرى، يؤكد *جان بياجيه* أن طفل الحادية عشرة أو الثانية عشرة يوجد في مرحلة انتقالية بين التفكير المحسوي والتفكير المجرد، لكنه يظل محتفظاً بحاجته النفسية إلى الاستقرار والشعور بالألفة. فالطفل، بخلاف المراهق، لا يزال يتأثر بدرجة كبيرة بتغير البيئة التي اعتادها، ويبحث عن الإشارات التي تمنحه الطمأنينة والثقة.
وتتضح هذه الفكرة أكثر من خلال قانون *يركس–دودسون* الذي يعد من أشهر القوانين في علم النفس؛ إذ يبين أن الأداء يتحسن مع وجود مستوى معتدل من الاستثارة النفسية، لكنه يبدأ في الانخفاض عندما يرتفع القلق إلى مستويات كبيرة. وبعبارة أبسط، فإن شيئاً من التوتر يساعد على التركيز، أما التوتر المرتفع فيستهلك جزءاً من الانتباه والذاكرة العاملة، فينعكس سلباً على الإنجاز.
وهذا ما تؤكده أيضاً نظرية *ريتشارد لازاروس* في الضغط النفسي، التي ترى أن الإنسان لا يستجيب للموقف في حد ذاته، وإنما للطريقة التي يفسر بها ذلك الموقف. فإذا اعتبر الطفل الامتحان تجربة مألوفة شعر بالاطمئنان، أما إذا رآه موقفاً استثنائياً وغامضاً، فإن جسده وعقله يدخلان في حالة استنفار قد تؤثر في الأداء.
ولا يقتصر الأمر على الفضاء المدرسي وحده، بل يمتد إلى طبيعة العلاقة مع هيئة الحراسة. فمن المؤكد أن أساتذة التعليم الثانوي يمتلكون خبرة كبيرة في تدبير الامتحانات والانضباط، غير أن هذه الخبرة تكون في الغالب موجهة نحو فئة عمرية مختلفة، هي فئة المراهقين.
أما طفل المرحلة الابتدائية، فما يزال يحتاج إلى أسلوب تواصل يراعي خصائصه النمائية؛ فهو أكثر حساسية لنبرة الصوت، وللغة الجسد، ولطريقة إعطاء التعليمات، بل وحتى لنظرات المراقب. ولذلك فإن الانتقال المفاجئ من بيئة اعتاد فيها وجوهاً قريبة من عالمه إلى فضاء يغلب عليه الطابع الرسمي قد يزيد من شعوره بالرهبة.
ويفسر *ألبرت باندورا* هذا الأثر من خلال مفهوم الكفاءة الذاتية، أي اعتقاد الفرد بقدرته على النجاح في المهمة المطلوبة. فالطفل الذي يشعر بالأمان والثقة ينجز أفضل، بينما يؤدي اهتزاز ثقته بنفسه إلى تراجع أدائه، حتى وإن كانت معارفه لم تتغير.
وفي مجال القياس والتقويم، يفرق الباحثون بين صعوبة الاختبار وظروف تطبيقه. فقد يكون الاختبار نفسه سليماً، لكن البيئة التي يجرى فيها تؤثر في النتائج.
ويؤكد لي *كرونباخ*، أحد رواد القياس التربوي، أن صدق نتائج الاختبار لا يتحقق إلا إذا كانت ظروف التطبيق متقاربة بين جميع المترشحين، لأن أي عامل خارجي قد يتدخل في الأداء يجعل الاختبار يقيس شيئاً إضافياً غير التعلمات المستهدفة.
أما *صمويل ميسيك* فقد وسع مفهوم صدق الاختبار، معتبراً أن تفسير النتائج يجب أن يأخذ بعين الاعتبار جميع العوامل التي يمكن أن تؤثر في أداء المفحوص، بما فيها الظروف النفسية والاجتماعية والتنظيمية.
وفي السياق نفسه، يشير *بنجامين بلوم* إلى أن التقويم العادل هو الذي يقيس ما تعلمه المتعلم فعلاً، لا ما فرضته عليه ظروف الامتحان من ضغوط أو عوائق. فالغاية من الامتحان ليست اختبار قدرة الطفل على مقاومة القلق، وإنما قياس مدى تمكنه من الكفايات المستهدفة.
كما توصل *جون هاتي*، بعد تحليله آلاف الدراسات التربوية، إلى أن المناخ المدرسي والشعور بالأمان النفسي والثقة داخل المؤسسة عوامل ذات أثر واضح في جودة التعلم والتحصيل، وهو ما يدعو إلى التفكير في أثر الانتقال إلى فضاءات جديدة أثناء الامتحانات الإشهادية.
ومع ذلك، فإن المنهج العلمي يفرض علينا الحذر. فلا يجوز تفسير انخفاض النتائج بعامل واحد فقط. فقد تكون هناك أسباب أخرى، مثل ارتفاع مستوى الاختبار، أو تغير طبيعة الأسئلة، أو تشدد معايير التصحيح، أو تفاوت جودة التعلمات بين الأفواج الدراسية.
لذلك فإن الوصول إلى استنتاج علمي يقتضي إجراء دراسة ميدانية تقارن نتائج السنوات السابقة بنتائج هذه السنة، مع ضبط المتغيرات المختلفة، وإجراء استبيانات لقياس مستوى القلق لدى التلاميذ، واستطلاع آراء الأسر والمدرسين والمراقبين، وتحليل أثر كل متغير على حدة.
إن الإصلاحات التربوية الكبرى لا تقاس فقط بسلامة نواياها، وإنما أيضاً بقدرتها على تحقيق أهدافها دون خلق آثار جانبية غير مقصودة. وإذا كان نقل الامتحان إلى مؤسسات التعليم الثانوي يهدف إلى تعزيز الشفافية وتكافؤ الفرص وترسيخ مصداقية الشهادات، فإن نجاح هذا التوجه يقتضي، في المقابل، توفير شروط نفسية وتربوية تضمن للطفل أن يعبر عن كفاياته الحقيقية في مناخ مطمئن.
فالعدالة في التقويم لا تتحقق فقط بمحاربة الغش أو توحيد إجراءات المراقبة، بل تتحقق أيضاً حين تكون ظروف الإنجاز نفسها ملائمة للخصائص النفسية والنمائية للفئة المستهدفة.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يشغل الباحثين وصناع القرار ليس: هل كان التغيير ضرورياً؟ بل: كيف نجعل هذا التغيير أكثر انسجاماً مع سيكولوجية الطفل، حتى يقيس الامتحان ما تعلمه فعلاً، لا مقدار قدرته على التكيف مع ظروف جديدة؟
إن الإجابة عن هذا السؤال هي المدخل الحقيقي إلى تقويم أكثر عدلاً، وأكثر إنصافاً، وأكثر وفاءً لرسالة المدرسة في خدمة المتعلم قبل الحكم عليه.
قم بكتابة اول تعليق