الامتحانات الإشهادية بين رهانات النجاح وضغوط التميز: حين يصبح التلميذ أسير التوقعات

موند بريس / بقلم: دة. سعاد السبع

مع اقتراب موعد الامتحانات الإشهادية تتغير ملامح الحياة داخل البيوت والمؤسسات التعليمية، وتتحول الأجواء العادية إلى حالة استنفار جماعي تُرفع فيها درجات الترقب والانتظار إلى أقصاها. فالامتحان الذي وُجد أساسا لقياس التعلمات والكفايات أصبح اليوم حدثا اجتماعيا ونفسيا بامتياز تتقاطع فيه رهانات الأسرة والمؤسسة التعليمية وسوق الانتقاء الأكاديمي، ليجد التلميذ نفسه في قلب معركة لا يخوضها من أجل النجاح فقط، بل من أجل تحقيق توقعات الآخرين أيضا.

لقد أضحت الامتحانات الإشهادية في المخيال الاجتماعي المعاصر أكثر من مجرد اختبار معرفي، إنها امتحان للمكانة الاجتماعية ومؤشر للنجاح الأسري ووسيلة لإثبات التفوق الفردي. وهنا يكمن جوهر الإشكال، إذ لم يعد التلميذ مطالبا بالنجاح فحسب بل بالنجاح المتميز، ولم يعد مطلوبا منه الحصول على شهادة بل الحصول على معدل مرتفع يفتح له أبواب المؤسسات العليا التي لا تستقبل إلا نخبة النخبة.

الأسرة وصناعة الضغط غير المقصود

في كثير من الحالات تنطلق الضغوط الأسرية من نوايا إيجابية تتمثل في الرغبة في رؤية الأبناء يحققون مستقبلا أفضل مما عاشه الآباء. غير أن هذه الرغبة قد تتحول -دون وعي- إلى عبء نفسي ثقيل عندما تصبح طموحات الأسرة أكبر من قدرات التلميذ أو ميولاته الحقيقية.
فبعض الأسر لا تكتفي بتشجيع أبنائها على الاجتهاد، بل تجعل من النتائج الدراسية معيارا وحيدا للتقدير والاعتراف. ويصبح الحديث اليومي داخل المنزل متمحورا حول النقاط والمعدلات والترتيب، بينما تُقارن نتائج التلميذ باستمرار بنتائج الأقارب أو أبناء الجيران أو زملاء الدراسة.
ويشير عالم النفس الأمريكي كارل روجرز إلى أن الفرد يحتاج إلى “التقدير غير المشروط” كي ينمو بشكل سليم، بينما يؤدي ربط القبول والمحبة بالإنجاز إلى خلق حالة من القلق والخوف من الفشل. فالتلميذ الذي يشعر بأن قيمته مرتبطة بمعدله الدراسي فقط يصبح أكثر عرضة للضغط النفسي وللإحساس بعدم الكفاءة عند أول تعثر.

المؤسسة التعليمية ورهان الأرقام

من جهة أخرى تجد المؤسسات التعليمية نفسها بدورها تحت ضغط مؤشرات الأداء ونسب النجاح والتصنيفات الجهوية والوطنية. فكل مؤسسة تسعى إلى تحقيق أفضل النتائج الممكنة حفاظا على صورتها ومكانتها.
وبينما يشكل هذا السعي حافزا لتجويد العملية التعليمية، فإنه قد ينعكس أحيانا على التلميذ بشكل غير مباشر. فتكثيف حصص الدعم، والإلحاح المستمر على ضرورة تحقيق نتائج مرتفعة، والخطابات التي تجعل من الامتحان مصيرا حاسما للحياة كلها، تساهم في تعزيز الشعور بالضغط بدل تعزيز الثقة بالنفس.
وفي هذا السياق تتحول بعض المؤسسات من فضاءات للتعلم والنمو إلى فضاءات للتنافس المحموم، حيث يُختزل النجاح في المعدل الرقمي، ويصبح التلميذ رقما داخل إحصائيات النجاح أكثر منه إنسانا له احتياجاته النفسية وانفعالاته الخاصة.

المدارس العليا ومنطق الانتقاء الصارم

تزداد حدة هذا الضغط بفعل السياسات الانتقائية التي تعتمدها العديد من المدارس والمعاهد العليا. فالمقاعد محدودة والمنافسة شديدة والمعايير ترتكز أساسا على المعدلات المرتفعة جدا.
وهكذا يجد التلميذ نفسه أمام معادلة معقدة: عليه أن يحقق نتائج استثنائية حتى يتمكن من ولوج المسارات التي يحلم بها أو التي يحلم بها الآخرون نيابة عنه. وتتحول نقطة واحدة أو نصف نقطة إلى قضية مصيرية قد تحدد مساره الأكاديمي والمهني.

هذه الثقافة الانتقائية رغم مشروعيتها في بعض السياقات، تكرس في الوقت ذاته تصورا ضيقا للنجاح، وكأن الذكاء والكفاءة لا يُقاسان إلا بالمعدلات الدراسية المرتفعة، متجاهلة أشكالا أخرى من القدرات والإبداعات التي قد لا تعكسها أوراق الامتحان.

بين مطرقة الدراسة وسندان التوقعات

من الناحية النفسية يعيش كثير من التلاميذ خلال فترة الامتحانات حالة من الصراع الداخلي. فهم لا يدرسون فقط من أجل النجاح، بل من أجل تجنب خيبة أمل الأسرة وإرضاء الأساتذة وتحقيق متطلبات المؤسسات العليا.
وتظهر لدى بعضهم أعراض القلق الامتحاني من قبيل اضطرابات النوم، صعوبات التركيز، فقدان الشهية أو الإفراط في الأكل، التوتر المستمر والخوف المبالغ فيه من الفشل. كما قد تتحول المراجعة إلى تجربة مرهقة نفسيا بدل أن تكون فرصة لترسيخ المعارف.
ويذهب عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو إلى أن المدرسة لا تنفصل عن الضغوط الاجتماعية المحيطة بها، بل تعكسها وتعيد إنتاجها. ومن هذا المنظور فإن الامتحان لا يقيس فقط المعرفة، بل يكشف أيضا حجم الضغوط الاجتماعية والثقافية التي يحملها المتعلم على كتفيه.

عندما يصبح النجاح حقا لا عبئا

إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في إلغاء الامتحانات أو التقليل من أهمية الاجتهاد، بل في إعادة التوازن إلى نظرتنا الجماعية للنجاح. فالنجاح الدراسي مهم بلا شك، لكنه ليس المعيار الوحيد لقيمة الإنسان أو لمستقبله.
إن التلميذ يحتاج إلى الدعم أكثر من الضغط، وإلى الثقة أكثر من التخويف، وإلى الاعتراف بمجهوده أكثر من التركيز الحصري على نتيجته النهائية. كما أن الأسرة والمؤسسة التعليمية مطالبتان بتبني خطاب يرسخ ثقافة التعلم والتطور بدل ثقافة الخوف من الفشل.
فالامتحان محطة من محطات الحياة وليس الحياة كلها، والمعدل رقم يعكس أداء ظرفيا في فترة معينة، لكنه لا يختزل ذكاء الإنسان ولا إمكاناته ولا مستقبله.

وفي زمن تتزايد فيه الضغوط النفسية على الناشئة، يبقى السؤال مطروحًا بإلحاح: هل نُعد أبناءنا للنجاح أم أننا نُعدهم للخوف من الفشل؟ وبين السؤالين تتحدد ملامح جيل كامل يعيش اليوم بين مطرقة الدراسة وسندان التوقعات، باحثا عن حقه البسيط في أن يتعلم وينجح دون أن يفقد سلامه النفسي.

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد