موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع
في المجتمعات الحديثة لم يعد العمل مجرّد نشاط يومي، بل تحوّل إلى قيمة أخلاقية ومعيار للحكم على الإنسان وأداة لقياس مكانته.حين يُسأل الفرد عمّا ينجزه قبل أن يُسأل عمّا يشعر به، ويُكافأ على تحمّله قبل أن يُلتفت إلى استنزافه. وداخل هذا السياق تنمو أنماط نفسية تبدو في ظاهرها ناجحة ومتوازنة، غير أنها تخفي في عمقها علاقة قَلِقة مع الذات. ومن بين هذه الأنماط تبرز متلازمة الهروب للأمام حيث يصبح العمل المتواصل حركة دفاعية تُستخدم لتجنّب مواجهة الداخل أكثر مما تُستخدم لبناء المعنى.
وفي هذا النمط لا يكون الانشغال اختيارا حرا وإنما استجابة نفسية عميقة للخوف من السكون، لأن السكون يضع الفرد أمام أسئلة لم يُتح له يوما أن يتعلّم كيف يتعامل معها.
الهروب الذي يحظى بالتصفيق
ما يجعل متلازمة الهروب للأمام معقّدة هو أنها تحظى باعتراف اجتماعي واسع. فالثقافة السائدة تمجّد الإنسان المنشغل وتُطبع الإرهاق بطابع البطولة، وتمنح العمل المفرط شرعية أخلاقية. وفي هذا المناخ يُعاد إنتاج الهروب في صورة التزام، ويُخفى القلق خلف عناوين الإنجاز.
فعلم النفس الاجتماعي يبيّن أن الفرد حين يعيش داخل منظومة تكافئ الأداء المستمر يتعلّم مواءمة دفاعاته النفسية مع ما هو مقبول جماعيا. وهكذا يتحوّل العمل إلى أكثر آليات الدفاع احتراما لأنه لا يُربك المحيط ولا يثير القلق بل يُقابل بالإعجاب.
الجذور النفسية: حين تُربط القيمة بالوظيفة
من الناحية السريرية يظهر هذا النمط بكثرة لدى أشخاص تشكّلت ذواتهم في بيئات ربطت الحب والتقدير بالإنجاز. الطفل الذي لا يُرى إلا حين ينجح يتعلّم مبكرا أن حضوره مشروط، وأن التعبير عن الاحتياج لا يُكافأ. ومع الزمن يُعاد ترسيخ هذا المنطق داخليا فيكبر الفرد وهو يشعر أن قيمته مرتبطة بما يقدّمه لا بما هو عليه.
فرويد أشار إلى أن النفس حين تُمنَع من التعبير الحر عن انفعالاتها، فهي تبحث عن قنوات بديلة لتصريف التوتر. ومن هنا يتحوّل العمل إلى مسار منظّم لتفريغ القلق، غير أن هذا التفريغ يظل سطحيا لأنه لا يلامس الجذر الانفعالي الأصلي.
الهوية المهنية كملاذ نفسي
في متلازمة الهروب للأمام تتضخّم الهوية المهنية على حساب بقية الأبعاد النفسية. حيث يُختزل الإنسان في دوره ويغدو التعريف الذاتي مرتهنا بالوظيفة والمردودية. وهنا تتقاطع القراءة السريرية مع تحليل كارل يونغ لمفهوم القناع الاجتماعي حيث يُستثمر الجهد النفسي في الحفاظ على صورة الفاعل الدائم بينما تُهمَل الذات الداخلية بما تحمله من هشاشة وتناقض.
وهذا الانفصال التدريجي يجعل الفرد ناجحا في الخارج لكنه فقيرا في علاقته بنفسه. ومع الوقت تتراجع القدرة على الإحساس، ويصبح الإنجاز بديلا عن الاتصال العاطفي.
الخوف من التوقّف كعارض سريري
من أبرز المؤشرات السريرية لهذه المتلازمة هو القلق الذي يظهر عند غياب العمل. حيث أن العطلة تتحوّل إلى عبء، والفراغ يُستقبل بتوتر داخلي، والصمت يوقظ مشاعر غير مُسمّاة. وفي الجلسات العلاجية يتبيّن أن هذا القلق لا يرتبط بالملل وإنما بالخوف من مواجهة محتويات نفسية غير معالجة: حزن قديم، إحساس بالوحدة أو شعور عميق بعدم المعنى.
في حين أن المدارس العلاجية الحديثة ترى في هذا النمط اعتمادا مفرطا على التنظيم الخارجي للذات مقابل ضعف في التنظيم الداخلي والانفعالي.
العمل كتعويض عن المعنى
فمن منظور العلاج الوجودي كما بلوره فيكتور فرانكل يظهر الهروب للأمام كاستجابة لفراغ معنوي. حين تغيب الأسئلة الكبرى حول المعنى والاتجاه يُستعاض عنها بتكثيف النشاط. فالفعل هنا لا ينبع من رؤية داخلية وإنما من حاجة ملحّة لملء الفراغ.
غير أن هذا التعويض يظل مؤقتا لأن المعنى لا يُبنى بالكمّ بل بالاتصال بالقيم وبالقدرة على التوقّف والتأمل.
الكلفة النفسية والاجتماعية
مع مرور الوقت تبدأ آثار هذا النمط في الظهور على المستويين النفسي والاجتماعي. هنا الاحتراق النفسي يصبح احتمالا قائما، العلاقات تُهمَل والجسد يتحوّل إلى آخر من يُصغى إليه. أما اجتماعيا فيُعاد إنتاج النموذج نفسه فتُصبح السرعة معيارا ويُقصى كل من لا يواكب الإيقاع.
أما سريريا فيُلاحظ أن الأفراد الذين يعتمدون على العمل كآلية هروب يكونون أكثر هشاشة عند التعثّر لأن منظومتهم النفسية لم تتدرّب على الاحتواء بل على الهروب المنظّم.
التوقّف كإعادة بناء
الخروج من متلازمة الهروب للأمام لا يتم عبر إلغاء العمل، وإنما عبر إعادة تعريفه. فالتوقّف هنا فعل علاجي يسمح بإعادة الاتصال بالذات وبفصل القيمة الإنسانية عن المردودية. ففي العلاج يُعدّ تعلّم الجلوس مع الذات دون قلق خطوة مركزية نحو استعادة التوازن.
وختاما إن النضج النفسي وفق المقاربات الإنسانية يتجلّى في القدرة على تحمّل السكون بقدر تحمّل الحركة.
وحين يتحوّل العمل إلى ملاذ دائم فهو يفقد معناه، وحين تُدار الحياة خوفا من التوقّف تُستنزف الذات ببطء. فمتلازمة الهروب للأمام تكشف خللا أعمق في علاقتنا بذواتنا وبالثقافة التي نعيش داخلها. والتقدّم الحقيقي لا يُقاس بعدد الخطوات إلى الأمام وإنما بقدرتنا على الالتفات إلى الداخل دون خوف، وعلى الاعتراف بأن بعض أشكال الركض ليست سوى محاولة مؤجَّلة للمواجهة.
قم بكتابة اول تعليق