متلازمة التشبّث الوجودي: حين يصبح الشريك شرطًا للبقاء

موند بريس /  بقلم: دة.سعاد السبع

ليس كل تعلّق حبّا، وليس كل بقاء دليل وفاء. أحيانا تتخفّى الحاجة خلف قناع العاطفة، ويُسمّى الخوف حبًا، ويُبرَّر الارتهان باسم الشراكة. في هذا السياق النفسي الدقيق تبرز متلازمة التشبّث الوجودي بوصفها إحدى أكثر أنماط التعلّق تعقيدا وأشدّها استنزافا، بكونها حالة لا يُمسَك فيها بالشريك رغبة فيه، بل خوفا من السقوط بدونه.

من الحب إلى البقاء: تحوّل العلاقة إلى ركيزة وجود

في التشبّث الوجودي لا يكون الشريك امتدادا للحياة، بل شرطا لها. ويصبح غيابه تهديدا للتماسك النفسي لا مجرد فقد عاطفي. هنا لا يُطرَح السؤال: “هل أحبّه؟” بل: “كيف أستمرّ بدونه؟”.

يعبّر إريك فروم عن هذا الانزلاق بقوله:”الخطر الأكبر في العلاقات هو الخلط بين الحب والحاجة، فالحاجة تتشبث بينما الحب يختار”.
إنه تعلّق لا يسعى إلى اللقاء بل إلى النجاة.

الفراغ الداخلي: الجذر الصامت للتشبّث

غالبا ما ينمو هذا النمط من العلاقات فوق أرضية نفسية هشّة لم تتشكّل على الأمان، ولم تُمنح في مراحلها الأولى حقّ الوجود المستقل. في مثل هذه الحالات لا يكون الشريك “آخرًا”، بل يصبح “المرآة الوحيدة” التي يرى الفرد نفسه من خلالها.
تقول أليس ميلر:”الطفل الذي لم يُرَ كما هو، سيقضي عمره يبحث عمّن يراه ولو على حساب ذاته”.
وهكذا يتحوّل الارتباط إلى محاولة متأخرة لترميم نقص قديم لا إلى شراكة متوازنة.

نظرية التعلّق: حين يعيد الماضي إنتاج نفسه

تُظهر دراسات التعلّق أن أصحاب نمط التعلّق القَلِق أكثر عرضة للتشبّث الوجودي. فهم يربطون الحب بالحضور الدائم، والطمأنينة بعدم الغياب.
توضح جون بولبي هذا الارتباط قائلة:”الخوف من الهجر ليس خوفا من الوحدة بقدر ما هو خوف من إعادة عيش تجربة الفقد الأولى”.

في هذه الحالة لا يُحبّ الشريك كشخص، بل كضمانة ضد استحضار الألم القديم.

أعراض لا تُرى… لكنها تُعاش يوميا

متلازمة التشبّث الوجودي لا تصرخ بل تهمس في السلوك اليومي وذلك ب:

* تبرير الإهمال باسم التفهّم.
* الخوف المرضي من الخلاف.
* التضحية بالحدود الشخصية مقابل الاستمرار.
* فقدان المعنى خارج العلاقة.
* شعور بالذنب لمجرّد التفكير في الانفصال.

تقول هارييت ليرنر: “نخاف أحيانا من إنهاء علاقة لا تؤذينا بقدر ما نخاف من مواجهة ذواتنا بدونها”.

العلاقة كمسكن نفسي مؤقت

في هذا النمط تُستخدم العلاقة كآلية دفاع نفسي، حيث ان الشريك يتحمّل عبئا غير معلن بأن يكون المعنى، والطمأنينة، والهوية، والبديل عن العمل الداخلي المؤلم.
يشير كارل يونغ إلى هذه المفارقة بقوله:”حيثما نبحث عن الخلاص في الآخر، نكون قد تخلّينا عن مسؤولية ذواتنا”.
ومع الوقت تتحوّل العلاقة إلى قيد، لا لأنها سيئة بالضرورة، بل لأنها تؤدّي وظيفة ليست وظيفتها.

الثمن النفسي: استنزاف الذات والآخر

يدفع المتشبّث ثمنا مضاعفا: قلق دائم من الفقد، وتآكل بطيء للكرامة النفسية. ويدفع الشريك ثمنا آخر حيث يشعر بالاختناق، وبأنه مسؤول عن بقاء شخص آخر نفسيا.
تقول إستير بيريل:
“الرغبة لا تنمو في العلاقات التي يُطلب فيها من الآخر أن يكون كل شيء”.

بين التعلّق والحب: خط فاصل دقيق

الحب الناضج لا يلغِي الاستقلال، ولا يخشى المسافة الصحية. أما التشبّث الوجودي فيخاف النمو لأنه يهدد التوازن القائم على الاعتماد.
يختصر فريدريك نيتشه هذا المعنى بقسوة صادقة:
“أحبّك لا تعني لا أستطيع العيش بدونك”.

طريق التعافي: من الحاجة إلى الاختيار

التعافي لا يبدأ بترك العلاقة، بل بفهم سبب الخوف من تركها، ويبدأ حين:
* يُعاد بناء الأمان الداخلي بعيدا عن الآخر.
* يُفصل بين قيمة الذات واستمرار العلاقة.
* يُفهم الحب كمساحة لقاء، لا كدرع واق من الانهيار.
وتقول بريني براون: “الاتصال الحقيقي لا يقوم على التعلّق، بل على الشجاعة في أن نكون كاملين حتى ونحن وحدنا”.
وأخيرا متلازمة التشبّث الوجودي ليست عيبا أخلاقيا ولا فشلا عاطفيا، بل جرحا نفسيا يبحث عن احتواء تذكّرنا بحقيقة جوهرية: العلاقة لا ينبغي أن تكون سبب بقائنا، بل مساحة نعيش فيها ونحن أحياء أصلا.
فحين يتحوّل الحب إلى وسيلة للبقاء، يفقد جوهره… وحين يصبح اختيارا حرّا يستعيد معناه الإنساني العميق.

 

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد