متلازمة المتفوق المنهك: نجاح مشروط بالخوف من الفشل

موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع

في زمن تُقاس فيه القيمة بعدد الإنجازات، وتُختزل الذات في الشهادات والمراتب، يبرز نمط نفسي صامت لكنه واسع الانتشار: متلازمة المتفوق المُنهك.
إنها ليست فشلا ولا كسلا، بل على العكس تماما إنها الوجه الخفي للنجاح حين يُبنى على الخوف لا الرغبة، وعلى القلق لا الشغف.

نجاح لامع… وتعب غير مرئي.

المتفوق المُنهك هو ذلك الشخص الذي يبدو من الخارج نموذجا يُحتذى به،
نتائج مبهرة، التزام مفرط، حضور دائم، كفاءة عالية وسجل حافل بالإنجازات.
لكن خلف هذا البريق تختبئ نفسٌ مُثقلة، وجسد مستنزف، وعقل لا يعرف الراحة.
يصف عالم النفس الأمريكي هربرت فرودنبرغر رائد مفهوم الاحتراق النفسي هذه الحالة بقوله: “أخطر أنواع الإرهاق هو ذاك الذي يُكافأ عليه صاحبه بالتصفيق بدل أن يُنقَذ.”

حين يصبح التفوق شرطا للبقاء.

لا يعيش المتفوق المُنهك النجاح كخيار بل كضرورة وجودية.
فهو لا ينجح لأنه يحب النجاح، بل لأنه يخاف مما سيحدث إن توقّف.
والخوف هنا متعدّد الوجوه:
* الخوف من خيبة أمل الآخرين
* الخوف من فقدان القيمة
* الخوف من أن يُكتشف أنه “عادي”
* الخوف من السقوط من صورة مثالية صنعها الآخرون… أو فرضها هو على نفسه
وهنا يتحول النجاح من مساحة تحقيق للذات إلى آلية دفاع نفسي.

الجذور النفسية الخفية للمتلازمة.

غالبا ما تتشكل هذه المتلازمة في الطفولة المبكرة حيث يُربط الحب والقبول بالإنجاز.
حين يسمع الطفل باستمرار: “أنت مميز لأنك الأول”
“نفتخر بك عندما تنجح”
“لا تخذلنا”
يتعلم – دون وعي – معادلة خطيرة: قيمتي = أدائي، وجودي = إنجازي.

ويحذر عالم النفس كارل روجرز من هذا النمط قائلا: “عندما يكون القبول مشروطا، ينشأ الإنسان منقسما بين ما هو عليه، وما يجب أن يكونه ليُحَب.”

علامات المتفوق المُنهك.

رغم اختلاف السياقات تتكرر مؤشرات نفسية واضحة من بينها:

* إرهاق دائم رغم النجاحات المتتالية
* شعور داخلي بعدم الكفاية مهما بلغ الإنجاز
* قلق مزمن من الفشل أو الخطأ البسيط
* صعوبة في التوقف أو الاستمتاع بالراحة
* جلد ذاتي قاسٍ عند أي تقصير
* فقدان المعنى رغم “النجاح الكامل”

ويعبّر عالم النفس آلان واتس عن ذلك بقوله: “المشكلة ليست في السقوط، بل في العيش طوال الوقت خائفا من الوقوع.”

المجتمع… حين يصفّق للإرهاق.

لا تنشأ متلازمة المتفوق المُنهك في فراغ. إنها نتاج ثقافة تمجّد العمل المفرط، وتربط القيمة بالإنتاج، وتحتفي بالإنهاك كعلامة قوة. ففي المدرسة، في العمل، وحتى داخل الأسرة يُكافأ من يرهق نفسه، ويُنتقد من يتوقف.
فنصنع – دون قصد – أجيالا ناجحة… لكنها منهكة من الداخل.

الثمن النفسي الباهظ

مع مرور الوقت قد تتطور المتلازمة إلى:

* احتراق نفسي حاد
* اضطرابات قلق أو اكتئاب
* أعراض جسدية نفسية المنشأ
* فقدان الهوية خارج إطار الإنجاز
* فراغ داخلي عند أول تعثر

ويشير فيكتور فرانكل إلى خطورة هذا الفراغ بقوله: “حين يفقد الإنسان المعنى لا يعود النجاح كافيا لإنقاذه.”

نحو نجاح لا يستهلك صاحبه.

التحرر من متلازمة المتفوق المُنهك لا يعني التخلي عن الطموح، بل إعادة تعريف النجاح:

* النجاح كاختيار لا كإجبار
* النجاح كمسار إنساني لا كحكم نهائي
* النجاح الذي يسمح بالخطأ، بالتوقف، وبالهشاشة

إنه الانتقال من سؤال:
“ماذا سأخسر إن فشلت؟”
إلى سؤال أعمق:
“من أكون لو لم أكن مطالبا بالإثبات دائمًا؟”

متلازمة المتفوق المُنهك تذكير مؤلم بأن النجاح حين يُبنى على الخوف يتحول إلى عبء.
وأن أعظم أشكال التفوق هو ذاك الذي لا يكلّف الإنسان صحته النفسية، ولا يسرق منه حقه في أن يكون إنسانا… قبل أن يكون ناجحا.

فالنجاح الحقيقي كما يقول إريك فروم: “ليس أن نملك الكثير أو ننجز أكثر، بل أن نكون أكثر اتزانا”.

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد